وكذلك آل فرعون ومن قبلهم آتاهم نعمة المال والسلطان فغيروا ما بأنفسهم من موجبات الفطرة وكفروا بالله وعبدوا غير اللّه ، فغير اللّه النعمة ، وأزال أموالهم ، وأغرقهم في اليم ، وكانوا عبرة المعتبرين ، وهذه سنة اللّه في الأكوان وفي الناس .
وقوله تعالى :
وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
جملة معطوفة على قوله تعالى :
بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً . . . .
ولذلك كانت « أن » هي المفتوحة وليست المكسورة ، والمعنى ذلك التغيير بسبب « أن اللّه لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم ، وأن اللّه سميع عليم » أي بسبب ما سنه اللّه ، وبسبب بأن اللّه تعالى سميع يسمع همسات القلوب ، وخواطر النفوس وما يختلج في الأفئدة ، فهو يعلم النفوس إذا تغيرت ، عليم بكل ما يجرى في الوجود ، وما تتحرك به الجوارح ، وما يعلمون من أمور مغيبة على الناس فإنها لا تغيب عن اللّه .
وإن هذا النص يدل على أمرين جليلين :
أولهما - أن النفوس الإنسانية هي التي تتعلق بها الأحكام ، ويجرى اللّه تعالى أمره على ما في هذه النفوس من خير أو شر .
ثانيهما - أن النصر والتأييد من اللّه تعالى بالقوة إنما هو باستقامة النفوس ، فإن استقام ما فيها استقام الأمر وكان النصر والتأييد ، وبعد أن بين سبحانه وتعالى أن اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا الذي بأنفسهم ، ذكر الطغاة ، وما يقضى به عليهم فقال تعالت كلماته :
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ
.
التشبيه منعقد بين المشركين وآل فرعون والذين من قبلهم ، كما هو في الآية السابقة ، بيد أنه في التشبيه صرح سبحانه بما لم يصرح به في الآية السابقة ، ففي هذا التشبيه صرح سبحانه بأن أخذهم كان بالإهلاك الذي لا بقاء معه ، وفي هذا التشبيه صرح بإغراق آل فرعون ، ولم يصرح بذلك في التشبيه السابق ، وفي هذا