في الشديدة في غزوة الأحزاب ، وقد تألّبت عليه الجزيرة العربية كلها وتحزبت عليه ، وقد جاءوا ليقتلعوا الإسلام من المدينة فرد اللّه الذين كفروا بغيظهم ولم ينالوا خيرا وكفى اللّه المؤمنين القتال .
ثم قال تعالى :
وَهُمْ لا يَتَّقُونَ
أي هؤلاء الذين ينقضون العهد ، في كل مرة يعاهدون الرسول صلى اللّه عليه وسلم « لا يتقون » وقد أطلق عدم الاتقاء فلم يذكر أنهم يتقون اللّه ، أو يتقون أذى الناس ، أو يتقون نقض فهو سبحانه أطلق عدم الاتقاء ، أي من صفاتهم التقوى وتقدير الأمور ، وتقدير معنى الوفاء بالعهد ، فإنه لا يصح نقض العهد لأي سبب ؛ لأنه يفقد الثقة ، وفقد الثقة يؤدى إلى ضعفهم ، ولقد قال تعالى :
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ
( 91 ) [ النحل ] .
ولا شئ يضعف الجماعات أكثر من النكث في العهود ؛ لأن الناس لا يثقون ، ويكونون جميعا إلبا لبعض ، وتعد فاسدة الأخلاق ، ولا تكون لها قوة أبدا .
وقد رأينا ذلك في الدول في الماضي ، ونراه الآن ؛ ولذا يقول تعالى :
وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا
( 34 ) [ الإسراء ] .
وإذا كان الكافرون لا يثقون في عهد عهدوه ، ولا ينفعون بل يضرون ، فلا بد لحملهم على الحق من القوة الغالبة ، والقهر الذي يرهبهم ؛ ولذا قال تعالى :
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
.
« الفاء » عاطفة ، وهي فاء السببية ، أي أن ما قبلها سبب لما بعدها ، أي أن هؤلاء الكفار لا يفعلون خيرا ، وليس منهم إلا الأذى المنكر ، ولا يمنع شرهم بعهد يقدمونه ، فإنه يجب قمعهم بالشر إذا وجدوا في حرب حتى لا يجتمعوا على شر ؛ لأن اجتماعهم إيذاء فلا بد من إرهابهم .