وإن ما ينزل بالطغاة من أخذ لهم إنما هو من نفوسهم التي غيروها ، وشوهوا فطرتها بمظالمهم ، لذا قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ
( 11 ) [ الرعد ] ، وقال اللّه تعالى في معنى هذه الآية :
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
.
الإشارة إلى ما فعله اللّه سبحانه وتعالى بالمشركين من أهل مكة ، إذ عجّل لهم عذاب بتنكيل المسلمين بهم ، وغيّرهم من سطوة في أرض العرب وجاه وسلطان إلى أن يغلبوا على أمرهم ، ويذلوا بعد عزة ، وإلى ما فعله سبحانه بآل فرعون ومن قبلهم من قوم نوح وعاد وثمود ، وآل مدين ، فإن هؤلاء غيروا نفوسهم ، وطمسوا فطرهم ، فغير اللّه تعالى نعمته ، فانتزع منهم ما كانوا في زرع فاكهين فيه .
والمعنى كان هذا الذي أنزله بالكافرين بآيات اللّه تعالى قد وضع نظما حكيمة في هذا الوجود الإنسانى ،
بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
، أي أن نظام اللّه تعالى في الإنسان أنه أنعم عليه نعما لها واجب وكما أنها له حق وعليها واجب ، وأن الفطرة الإنسانية تدرك حق كل نعمة ، وتفسد هذه الفطرة بالاتجاه إلى الشر ، وذلك تغيير وطمس لنور الفطرة ، والمعنى أن اللّه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على قوم ، إلا إذا غيروا ما بأنفسهم ، و « ما » هنا موصولة بمعنى الذي ، والذي بأنفسهم هو نور الفطرة ، وإخلاصها ، وما أخذه اللّه تعالى على ظهور بني آدم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا : بلى ، فهذا العهد المودع في الفطرة وهو التوحيد هو الذي يغيرونه بأنفسهم ، فكفار قريش كانت لهم القوة لأنهم كانوا يدينون بديانة إبراهيم ، ولكنهم غيروا ما بأنفسهم فشوهوا الفطرة ، وأشركوا بالله أحجارا لا تضر ولا تنفع ، وزاد تغييرهم لما في أنفسهم بأن جاءهم رسول من ربهم يدعوهم إلى التوحيد فعاندوا ، وكفروا بآيات اللّه تعالى ، فأزالهم من سطوتهم ، إلى حيث يغلبون على أمرهم .