وقوله
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ
الدأب مصدر دأب دءوبا ، أي فعلوا مثل ما فعل آل فرعون دائبين مستمرين عليه من تذبيح أبنائهم ، واستحياء نسائهم ، وإيذاء موسى وقومه ، ومن قطع أيدي السحرة وأرجلهم من خلاف ، إذ آمنوا بربهم ، ومن طغيانه وملئه في البلاد ، وادعائه الألوهية وطغيانه على أهل مصر ، وقوله لهم ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد .
تشابهت أفعال المشركين مع أفعال فرعون وملئه الذين دأبوا عليها ، واستمروا قائمين بها ، فكان حقا عليهم أن ينتظروا لهم مثل ما آل إليه أمر فرعون ، وقد بين سبحانه وتعالى أنه أخذهم بذنوبهم فقال :
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ
الباء للسببية وأخذهم معناها أخذهم أخذ معذب مكافئ بما فعلوا ، فالأخذ يتضمن عقابهم على ما فعلوا ، وهو القوى القادر ، كما قال تعالى في آية أخرى :
فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ
( 42 ) [ القمر ] وقوله تعالى بذنوبهم ، أي أخذهم بالعقاب بسبب ذنوبهم التي ارتكبوها في حق الناس من تأله ، ومن تعذيب ، وإفساد للعقول بالضلال ، والنفوس بالإرهاق والأذى ، ويصح أن تكون الباء للإلصاق ، ويكون المعنى أخذهم مصاحبين لذنوبهم فيذكرون جرائمهم ، إذ ينزل بهم العذاب .
وقد ذيل اللّه تعالى النص الكريم بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ
.
وهذا في مقام التعليل لقدرته تعالى على الأخذ الشديد لفرعون وأشباه فرعون ، وإن طغوا وبغوا ، وقد وصف اللّه جل جلاله بوصفين يدلان على شدة الأخذ والعذاب ؛ الأول وصف ذاتي معنوي ، وهو القوة ، فهو ذو القوة المتين ، والوصف الثاني ، وهو أن عقابه شديد متناسب مع الذنوب ، ومثل فرعون وملئه ذنوبهم كبيرة شديدة قوية ، فلا بد أن العقاب من جنسها ، وهو جزاء وفاق لها .
وأكد اللّه تعالى هذين الوصفين بعدة مؤكدات فأكده بتصويره الجملة بوصف الجلالة ، وهو يلقى بالرهبة والهيبة ، وبكون الجملة اسمية ، وب « إنّ » التي تؤكد القول . . وقانا اللّه تعالى شر عذابه ومنحنا رحمته ، إنه هو الغفور الرحيم .