والمراد بما قدموا من أعمال وما قالوا به من أقوال ، وإن هذا الجزاء عدل لا ظلم فيه ، ولذا قال تعالى :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
( 46 ) [ فصلت ] ، وقال سبحانه في هذه الآية
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
والواو هنا للعطف ، أي أن ذلك العذاب كان بسبب ما قدموه ، وبسبب أن اللّه تعالى ليس بظلام للعبيد ، أي أنهم ينالون جزاء ما اقترفوا والعادل يعطى كل إنسان ما يستحق ،
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ . . .
( 58 ) [ غافر ] ، فذلك يتحقق عدل اللّه الكامل ، وينتفى عنه الظلم سبحانه إنه على قدير .
ولو كان اللّه تعالى سوى بين المجرمين والمحسنين ، لكان ثمة شائبة ظلم ، واللّه منزه عن ذلك ، ومعاذ اللّه أن ينسب إليه ، وقوله تعالى :
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
، فيه تقرير العذاب ، وتثبيته ، وفيه تبريره .
وقوله تعالى :
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
نفى للظلم الكثير المتكرر ، فهل معنى ذلك بمفهوم المخالفة أن الظلم القليل ، ليس بمنفى عنه سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ؟ .
والجواب عن ذلك أن النص الكريم ينفى أصل الظلم عن رب العالمين ، وإنما النفي بصيغة المبالغة للإشارة إلى أن المساواة بين المحسن والمسىء ظلم كبير ولا يفعله إلا ظلام للعبيد ، وقيل : إن الظلم بصيغة المبالغة لكثرة المستحقين للعقاب ، فلو لم يعاقبهم لكان ظلاما ، واللّه تعالى ليس بظلام .
ومن هذا النص الكريم يفهم أن العدل يوجب أمرين أولهما ألا يعاقب المحسن ، فإن عقابه ظلم ، وثانيهما أن يعاقب المسئ ولا تأخذ الناس به رأفة ، لأنه لم يرحم الناس ، ويقول صلى اللّه عليه وسلم « من لا يرحم لا يرحم » « 1 » .
وقد أخذ سبحانه يقص بعض القصص عن الظالمين وعقابهم .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .