تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3159

مساهمون:

ص٣١٥٩
الخبر ، ويكون ويذوقون عذاب الحريق ، وعبر سبحانه وتعالى عن إصابة العذاب لهم بقوله :
وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
للإشارة إلى أن العذاب لا يكون إلا بالإحساس به ، فهم في إحساس دائم به ، يذوقونه ويحسون به ، وكلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب . والحريق هو النار المحترقة التي لا يطيقها إحساس محس إلا أن يكون عذابا . وإن التعبير بقوله :
وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
لا يخلو من تهكم بهم ؛ لأنهم فسقوا وذاقوا من الهوى ما ذاقوا ، فكأنه يقال لهم : كما ذقتم المتع والشهوات ، فذوقوا الحريق ، وكأنه يبشرهم . وقد قال بعض المفسرين : إن ذكر ضرب الوجوه ، وضم الأدبار إليهم تذكير لهم بشهوتهم التي كانوا منغمسين فيها وأنهم يضربون فيها ، كما وقعوا في المفاسد بها واللّه تعالى أعلم . وقد بين سبحانه وتعالى عذابه مربوطا بسببه فقال :
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
. الإشارة إلى ما سينزله اللّه بالذين كفروا ، من العذاب الشديد والعذاب الأليم ، والباء للسببية والمعنى العذاب الشديد بسبب ما قدموا من إيذاء للمؤمنين ، ومعانة لرب العالمين ، وجحود بالآيات وتكذيب لكتاب اللّه ورسله ، وعبر سبحانه وتعالى عن ذنوبهم التي تضافرت وتكاثرت بقوله :
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ
مع أن الذنوب تكون بالألسنة وقول الباطل كما تكون بالأيدي ؛ لأن الأيدي بها البطش الظاهر ، وبها أوذى المؤمنون ، وبها نكل بالضعفاء ، وحملها للأسلحة في الحروب ، وإن التعبير عن الكل باسم الجزء مجاز مرسل مشهور ، إذا كان للجزء مكانة خاصة في الحكم ، كقولهم عن الجاسوس : العين ؛ لأن العين لها مظهر خاص في التجسس .
زهرة التفاسير — صفحة 3159 | محمد أبو زهرة