بذلك آجالهم ، وهنا فعل شرط حذف جوابه ، لبيان هوله ، وأن تذهب فيه النفس كل مذهب من حيث إنه لا يدرك كنهه ، ولا تتصور حقيقته في الدنيا ، والمعنى لو عاينت الذين كفروا ، وأرواحهم تقبض ثم ما يجئ بعد ذلك رأيت هو لا عظيما ، لا تدركه عقول أهل الدنيا ولا تحيط به أفهامهم ، كقوله تعالى :
وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ
( 165 ) [ البقرة ] .
ويقول الزمخشري : إن ( لو ) إذا دخلت على المضارع جعلت معناه ماضيا ، فمعنى لو ترى : لو عاينت ورأيت الذين ظلموا إلى آخره ، وكان التعبير بالمضارع لتصوير الماضي حاضرا مرئيا مهيئا ليتصور ما يكون ويراه كأنه حاضر ، والتعبير بالذين كفروا لبيان أن السبب في هذه الشدة التي يكونون عليها هو كفرهم ، وهو مقابل لطغيانهم وتمردهم وعنادهم للحق في الدنيا ، فإنه بسبب ذلك الطغيان ، يكون الإذلال والخسران والهوان .
وقد صور حالهم فقال :
الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ
وهذا تصوير لحال ذلهم الذي يقابل اغترارهم واستكبارهم عن الحق ، فتضرب الوجوه التي تكون بها المواجهة ، وضرب الوجوه لا يكون لمن يعاملون بالصغار والهوان ، وهذا عقاب معنوي شديد ، وأدبارهم ، أي يركلون بالأرجل في أدبارهم كما تضرب بالأيدي وجوههم ، فهم في مهانة تحيط بهم ، أو أن المهانة والذلة تحوط بهم من الأمام والخلف ، وذلك تصوير لذلهم بعد الغطرسة ، والاستهانة بهم بعد الغرور .
وذلك بلا ريب عقاب معنوي ، بالتحقير ، في مقابل تكريم المؤمنين الذين كانوا يقولون :
وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ . .
( 27 ) [ هود ] .
وقد بين بعد ذلك العذاب المعنوي فقال :
وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
وهي معطوفة على قوله تعالى :
يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ
وذلك بتقدير فعل محذوف تقديره ، ويقولون لهم ذوقوا عذاب . . ، أو تقول : إن هذا فعل أمر في معنى