قد أيد اللّه بهم رسوله والمؤمنين فنكص على عقبيه ، قال : إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون ، وصدق اللّه ، واللّه شديد العقاب .
وقد روى مثل هذا عن السدى والضحاك والحسن البصري ومحمد بن كعب ، وقدر رأى ذلك النظر الحافظ ابن كثير بما ورد من آيات في شأن تغرير إبليس لأهل الضلال ، فتلا قوله تعالى :
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ
( 16 ) [ الحشر ] .
وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
( 22 ) [ إبراهيم ] .
ذانكم الرأيان اللذان أخذ فيهما بظاهر الألفاظ ، واعتمدا على روايات في رواتها نظر ، والذي أخذ فيه بمعنى الألفاظ وإنا نؤمن بصدق قصص القرآن ، ولكنا في هذه الآية نميل إلى النظر إلى أنها خير تصوير لاستمكان الشيطان من قلوب الكفار ، وتحكمه فيها ، وسد ينابيع الإدراك في نفوسهم ، ونميل إلى ذلك ؛ لأن خبر إبليس وتمثله بصورة سراقة لم يثبت بسند صحيح يفسر به القرآن ، ولأننا نفسر القرآن بما يبعده عن الغرائب ، وبما هو مأنوس للناس من غير تكذيب لأخباره ، واللّه أعلم ، وقوله تعالى :
فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ
أي الجماعتان المتقاتلتان
نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ
، نكص معناها رجع على عقبيه ، تصوير لارتداده متقهقرا سائرا على العقبين ، وهو خائف مضطرب ، ويتبرأ من لحق أغراهم ، وقد رأى الشدة آخذة بهم ، وذلك تصوير لما يكون في نفوسهم ، وسيكون يوم القيامة محسوسا ، وقوله تعالى :
وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ
أي إني أعلم ما لا تعلمون وقد أضلهم ، وقد غرهم الغرور ،
إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ
( 48 ) يعلن أنه يخاف اللّه واللّه شديد العقاب .
وبذلك يصور لهم كيف ضلوا بوسوسته ، وكيف تعرضوا للعقاب بتزيين ومثله في هذا التصوير كمثل من يدلى بإنسان في هاوية حتى إذا تردى فيها أخذ يعيره في هذا التردى ، وما فعله إلا بتزيين وتحسينه فهو المجرم الأصيل .