تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3111

مساهمون:

ص٣١١١
القبائل ، حتى وجد قبل الهجرة بما يقارب سنتين الأوس والخزرج ، فأخذ يدبر أمر الهجرة إليهم في يثرب ، ويعد العدة لذلك ويهيئ المتبوّأ ، ويتم الرسالة ، بلاغا وتبيينا ، وقد هاجر من هاجر قبل ذلك إلى الحبشة ، وهاجر إلى المدينة من يحفظ القرآن ويعلم الإسلام فهل كانت الهجرة فرارا من الإيذاء وطلبا للأمن ؟ . لا شك أن فرار الذين هاجروا إلى الحبشة كان من الأذى والفتنة في الدين ، وينطبق عليهم قوله تعالى :
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ . . .
( 40 ) [ الحج ] . أما هجرة النبي صلى اللّه عليه وسلم فما كانت فرارا من الأذى بل كانت نظاما لتأسيس دولة ، ولأنه نظام يجب أن يتحقق ، ولأن الإسلام جاء لإقامة دولة تحكم بأمر اللّه ونهيه ، وتقيم العدل ، وترفع الجور ، وما كانت تتمكن من ذلك ، وهي خاضعة لعبدة الأوثان ، بل كان لا بد من الهجرة حيث تكون القوة ، وحيث يتمكن من إقامة الدولة ، وقد اختار اللّه تعالى من الأرض أرضا ينتشر منها خبر الدعوة المحمدية في كل ربوع البلاد العربية ، فكانت أرض البيت الحرام ، وقد مكث محمد ابن عبد اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثلاث عشرة سنة يدعو ، دخل خلالها في دينه بعض قريش ، وبعض القبائل ، وعرف العرب دعوته ، حتى إذا تكونت الجماعة التي كانت النواة الأولى ، مهّد لإنشاء الدولة ، فسافر إلى المدينة مهاجرا . وبينما هو يعد العدة ، أو أعدها ومهّد الأرض وعبّد المقام - كانوا يفكرون في الإيذاء ، ولذا لا نقول هاجر فرارا ، بل كان الاتفاق الزمنى ، وهم يفرغون جعبتهم ، وقد أفرغوها ، وراشوها « 1 » ، ولم يجدوا موضوعا لفعلهم .
هامش
( 1 ) راش السهم ، راش سهمه يريشه ريشا إذا ركّب عليه الرّيش ، إشارة إلى كماله واستقامته . لسان العرب - ريش . والمعنى أنهم استعدوا لما هموا به من قتل النبي صلى اللّه عليه وسلم .