تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3114

مساهمون:

ص٣١١٤
نزلت هذه الآية في مكة ، وهي تتلى في سورة أكثرها نزل بالمدينة لتذكرهم بما نزل بهم من المشركين بمكة إذ كانوا يستهينون بأمرهم ، ويستضعفونهم ، وقد امتد أمر استهانتهم إلى الحجج القارعة ، مع عجزهم عن أن يأتوا بمثله القرآن ، يقول تعالى :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا
هذا تصوير لبعض أحوالهم عند سماع تلاوة القرآن ، فأحيانا كانوا يتناهون عن الاستماع وقالوا :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
( 26 ) [ فصلت ] وأحيانا يطلبون آيات ، وأحيانا لا يعيرون القرآن التفاتا ويعلنون الاستهانة به .
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ
عبّر بالمضارع لتصوير حالهم وتجددها آنا بعد آن والتلاوة : الترتيل بالقراءة آية تلو آية في نغم هو ترتيل اللّه تعالى ، ولا يجيبون بالتأمل والتفكير والتدبر فيما يتلى ، بل يعاجلون القارئ كأنهم يطلبون أن يسكت ولا يقرأ قائلين : سمعنا ، كما تقول لمتكلم لا تريد منه الاستمرار : سمعنا ، سمعنا ، أي أقصر ، وكأنهم يتأففون ، ثم يردون قائلين ،
لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا
. أي لو شئنا أن نقول مثل هذا الكلام لقلناه ، ولكنا لم نرده ، وهذا كلام يحمل في نفسه دلالة على عجزهم أن يأتوا بمثله ، ولقد تحداهم القرآن أن يأتوا بعشر سور ، فما أتوا ، تحداهم أن يأتوا بسورة فعجزوا واعتذروا بأنهم لم يأتهم تأويله ، فتحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله مفتريات فعجزوا ، أفبعد هذا التحدي الشامخ والسكوت الخانع والعجز الخاضع يقول قائلهم : لو شئنا لقلنا مثل هذا ؟ ! ! تلك غطرسة كاذبة ، ونفخة جوفاء . ويردفون كذبهم بكذبة أخرى فيقولون :
إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
( إن ) هنا نافية ، أي ما هذا الكلام إلا أحاديث الأولين التي يسمر بها ويقصدونها قطعا للفراغ ، والأساطير جمع أسطورة وهي الأخبار التي يخترعها القصاصون وغيرهم في سمرهم ولهوهم .
زهرة التفاسير — صفحة 3114 | محمد أبو زهرة