تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3098

مساهمون:

ص٣٠٩٨
ذكر الزمخشري في تفسيره أن هذا التعبير السامي يحتمل ثلاثة تفسيرات : أولها - أن الله تعالى مالك للإنسان في أفكاره ومشاعره ، فهو موجه قلبه إلى ما يريده الله تعالى ، فالله مالك كل شيء ، وهو الموجه إليه في مصيره ، أي أنه هو الذي يحول المرء وقلبه واتجاهه ، فهو لا يملك من أمره شيئا ، وقالوا : إن هذا يفسر قول النبي صلى اللّه عليه وسلم مخاطبا ربه : « أنت مقلب القلوب » « 1 » ، ويظهر أن الزمخشري المعتزلي لا يرتضى هذا ؛ ولذلك يقول إنه قول بعض الجبرية ، وذلك غير مذهبه ، ويقول تعليقا على ذلك : إن الله لا يوجه جبرا ولكن يوجه من سار في الخير إلى ما سار فيه ، ومن سار في غيره إلى نهايته . والاحتمال الثاني - وهو الذي أختاره ، أن المعنى أن الله بأوامره ونواهيه يحول بين المرء وقلبه ، أي بين المرء وما تهواه نفسه ، ويشتهيه قلبه من لذائذ هذه الدنيا ، وشهواتها ، فالشريعة قامعة للنفوس كابحة للأهواء . وإننا نرى ذلك حقا من غير أن نقرر بطلان السابق ، كما أشار الزمخشري . والاحتمال الثالث - أن يراد قرب العبد من الله ، وأنه أقرب إليه من حبل الوريد وأنه بينه وبين قلبه ، كما قال الله تعالى :
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
( 60 ) [ غافر ] . وإنه لا مانع من الجمع بين هذه الاحتمالات فليست متعارضة ، ولا شبه متعارضة ، فيصح أن يراد أن اللّه مالك كل شيء ، وأن شريعته فاصلة بين المرء وأهوائه ، وأن اللّه تعالى قريب منه مجيب دعاءه إذا دعاه ، وأنه رقيب عليه يراه .
هامش
( 1 ) روى الترمذي : القدر - ما جاء في أن القلوب بين إصبعي الرحمن - 2140 - عن أنس قال كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يكثر أن يقول : " يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك " فقلت : يا رسول اللّه آمنّا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا ؟ قال : " نعم إنّ القلوب بين إصبعين من أصابع اللّه يقلّبها كيف يشاء " قال أبو عيسى : وفي الباب عن النّوّاس بن سمعان وأمّ سلمة وعبد اللّه بن عمرو وعائشة وهذا حديث حسن . كما رواه أحمد : مسند المكثرين - مسند أنس بن مالك رضي اللّه عنه ( 11697 ) .
زهرة التفاسير — صفحة 3098 | محمد أبو زهرة