تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3095

مساهمون:

ص٣٠٩٥
وإنه إذا فقد ما خصه اللّه تعالى به من هذه النعم فقد نزل من درجات الإنسانية إلى حضيض الحيوانية ، وكان شر الدواب في هذا الكون ؛ ولذا قال تعالى :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
. الدواب جمع دابة وهي ما يدب على وجه الأرض من النملة إلى الحشرة إلى ما فوق ذلك ، وإنه إذا عبر عن الإنسان بأصغر ما ينطبق عليه اسم الدواب والحيوان كان ذلك تحقيرا له واستهانة بأمره من زعيم يرفع ويخفض إلى حيوان لا يملك من أمره شيئا ، تدعكه الأرض بالأقدام ، وهو حيوان كله آفات ، ليس بكامل بل هو أصم لا يسمع ، أبكم لا ينطق ، وهو لا يعقل فليس فيه قلب يفقه ، ولا عقل يعقل ، إنه شائه « 1 » في ذاته ، ناقص في كونه ، وإن كان ذا رواء ؛ لأن تقدير الإنسان ليس بشكله وصورته ، ولكن بقلبه وعمله . وفي الكلام استعارة تمثيلية شبه فيها من لا يسمع الحق ولا يدركه ، ولا يبصر الآيات ولا يتأملها ، ومن لا يفقه الحق ولا يدرك بالدابة التي لا تسمع مواطئ الأقدام ، فتطؤها ، ومن لا ينطق مستغيثا ، فتدقه الأمور دقا ، ومن لا يعقل ما يضره ، فيكون فريسة الكل ، وجامع التشبيه هو عدم الفائدة من هذه الحواس فهي إذا كانت ذات فائدة في ذاتها فإنه لا يستفيد منها ، ومن لا يستفيد من شئ فوجوده وعدمه سواء . وإن تشبيه الكافر بالدابة هو أصغر تشبيه له ، وقد قال تعالى في تشبيهه :
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً
( 171 ) [ البقرة ] . وكقوله تعالى :
أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
( 179 ) [ الأعراف ] . وإنهم لو سمعوا لا يجيبون ؛ ولذا قال تعالى :
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
. هذا ترشيح للاستعارة التي قوامها تشبيه حالهم في أنهم لا يسمعون سماع تدبر ، ولا يبصرون بصر تأمل ، بمن لا يسمعون ولا يبصرون فهذا النص تقوية للتشبيه ؛ لأنه قرينة تساعد المشبه به .
هامش
( 1 ) شائه : قبيح . كما في القاموس .
زهرة التفاسير — صفحة 3095 | محمد أبو زهرة