تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3096

مساهمون:

ص٣٠٩٦
وإن اللّه تعالى بكل شئ عليم ، فهو سبحانه يعلم ما كان وما سيكون ، وهو قد قدر كل شئ بعلمه ، وقد قدر سبحانه في علمه أنهم لا يهتدون ؛ لأنهم لم يسلكوا طريق الهداية ، ولن يسلكوه ، وذلك لا ينافي اختيارهم ، كما قال الإمام على - كرم اللّه وجهه - وفسر قدر اللّه بعلمه الواسع المحكم .
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ
« لو » هي حرف امتناع لامتناع ، أي امتنع إسماع تعالى لهم الكلام إسماع تدبر وإدراك لما فيه من تهديد وإنذار وتبشير ، وامتنع ذلك لأنه لم يعلم خيرا في السماع ، والمعنى لو علم اللّه أنه سيترتب على سماعهم تدبرهم وتفكرهم ، وأنه سيترتب خير كالعظة والاعتبار - لأسمعهم . ولبيان أن من كتب اللّه تعالى شقوتهم لا جدوى معهم فقال :
وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
ولو سمعوا سماع تدبر ، وإمعان وإدراك ما صبروا على الحق ، بل إن قلوبهم في ريب دائم مستمر ، واضطراب لا استقرار معه ، فالحق يحتاج البقاء عليه إلى صبر ، ودوام تأمل وتفكر ؛ فليس الإيمان واقعة تمرّ ، بل هو حال مستمرة دائمة ، يغذيها التدبر ، ويقويها طول التأمل ، وهؤلاء ، إن سمعوا وتفكروا حينا ، لا تستمر بشاشة الإيمان في قلوبهم . ولذا قال تعالى في جواب الشرط :
لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
وهذه صورة حال المعرضين بعد أن كاد يدخل نور الإيمان قلوبهم ، التولي أن يولى جنبه بدل وجهه ولإظهار أنه معرض شبهت حالهم وقد أعرضوا عن الحق وتركوه بحال الذين يديرون وجوههم وهم معرضون ، غير مقبلين . واللّه يدعوهم إلى الحق ، ويناديهم ليجيبوه ؛ ولذا قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
. النداء للذين آمنوا ، والنداء للبعيد ؛ لعموم النداء ، ولأن أداة البعيد أنسب في هذا المقام والنداء هو قوله تعالى :
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ
والاستجابة معناها