للعير ، وإني أميل إلى التخريج الثاني لأنه يساوق اللفظ ولا يحتاج إلى تأويل ، ولا تأباه الألفاظ ، ومؤداه أنه كما وجد فريق من المؤمنين كاره للخروج من بيتك لتتبع العير ، وجدت كراهية القتال عند إرادة الحرب ، ويكون قوله تعالى :
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ
متعلقا بقوله تعالى :
يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ
.
ونقف هنا عند أمرين : أولهما - أن اللّه تعالى ذكر الحق بالحق مرتين :
أولاهما -
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ
أتى بالأمر الثابت الذي هو الحق في ذاته ، والحق في رفع شأن الدين ، والحق في مصلحة المؤمنين ، والحق في أنه أمر اللّه تعالى وإرادته ، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم ما أراده من ذات نفسه ، وإنما أراده اللّه تعالى له ، وهو ربه الذي خلقه ورباه وهو أعلم بمصالحه ومصالح المؤمنين والإسلام ، وإعزازه تعالى كلمة الحق ، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ، وكلمة اللّه هي العليا .
ثانيهما - عندما ذكر الجدال في قوله تعالى :
يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ
.
والحق هنا هو أمر القتال فقد فرت منهم العير التي خرجوا إليها ليأخذوها ، وبدا لهم النفير ، فبدل أن يلقوا عيرا ينقلوها ، لقوا جيشا يقاتلونه ، وذلك هو الحق الثابت الذي فيه الشوكة إن انتصروا ، والصبر عند الصدمة ، وقد جادلوا في هذا مع أنه صار أمرا لا مناص منه .
وفي الحق كانت قوة الكفر مسيطرة ، وما كان للمؤمنين قبل بها لولا تأييد اللّه تعالى ونصرته ، فالخوف كان لا بد منه ، وليس الشجاع هو الذي لا يخاف ، إنما الشجاع هو الذي يقدر قوة عدوه ويخافها ، ولكن يدبر للقائها ، ويعمل على التغلب عليها ، ولقد كان جدلهم في هذا منشؤه المحافظة على النفس كجدلهم حول الغنائم فمنشؤه الرغبة في الموت .