وقد قال اللّه تعالى في تصوير خوفهم وتقديرهم للّقاء :
كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ
فقد شبه سبحانه وتعالى حالهم بحال من يساق إلى الموت ، وهو مشدوه ناظر إليه ، متوقع له كأنه يراه رأى العين ، وأنه نازل به لا محالة .
ولقد تجسم لديهم الخطر ، كأنه نازل بهم لا محالة ، ولا منجاة منه ، وإن رضوا بالفداء فالله سبحانه وتعالى يبين لهم أن ثمة خطر ، ولكن ثمة أيضا وعد اللّه تعالى بالنصر والتأييد وثمة الإيمان الثابت الذي تزلزلت معه الجبال ولا يتزلزل .
وإن اللّه تعالى يدعوهم في هذا إلى الصبر والاطمئنان إلى وعد اللّه تعالى وإن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يبث فيهم روح الاطمئنان والأمن ، ولكنه كان يريد أن يتثبت من اعتزامهم اللقاء وطلبهم للنصر ، وطاعتهم له .
ويروى الحافظ ابن كثير وأصحاب السّير الصحاح أنه لما بلغ النبي صلى اللّه عليه وسلم خبر فرار العير إلى سيف البحر ، ومجيء جيش المشركين وكان النزال لا بد منه أراد صلى اللّه عليه وسلم أن يتثبت من جيشه فاستشار من معه وأخبرهم عن قريش .
فقال أبو بكر ، فأحسن القول ، ثم قام عمر فقال فأحسن .
ثم قام المقداد بن عمرو ، فقال : امض يا رسول اللّه لما أمرك اللّه به فنحن معك ، واللّه لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى :
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
( 24 ) [ المائدة ] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد ( مدينة بالحبشة ) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خيرا ، ودعا له بخير .
ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أشيروا علىّ أيها الناس » ، وإنما يريد الأنصار ، وذلك أنهم كانوا عدد الناس ، وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا : يا رسول اللّه إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا ، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا ، وكان رسول اللّه يتخوف من ألا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه ، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى