قال تعالى في آية أخرى :
وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ
( 7 ) [ الحديد ] وأمرهم بالعطاء ، واختبر بعض الناس بالفقر ، وأمرهم بالصبر والعمل واحتمال البلاء .
ولقد حكم اللّه تعالى للمؤمنين الذين وجلت قلوبهم عند ذكر اللّه ، والذين يزداد إيمانهم إذا تليت آيات اللّه تعالى ، والذين بعد إحكام العمل ، لا يتوكلون إلا على اللّه ، حكم اللّه تعالى لهم بما كتب فقال :
أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
( 4 ) .
حكم اللّه تعالى لهم بأنهم المؤمنون حقا ، أي إيمانا حقا صادقا ثابتا ، وفي النص الكريم ما يدل على القصر ، أي أنهم وحدهم دون غيرهم المقصور عليهم وصف الإيمان ، أي لا مؤمن على وجه الكمال غيرهم ، وهذه شهادة من اللّه تعالى بانفرادهم بكمال الإيمان ، وكفى بالله شهيدا .
وقد وصفهم اللّه تعالى بثلاثة أوصاف هي صفات الكمال للمؤمنين :
أولها - أن لهم عند اللّه درجات ، والدرجات لا تذكر إلا للدرجات العليا ، ومعنى
لَهُمْ دَرَجاتٌ
، أن السبق عند اللّه ، وأنهم علوا على الناس بهذه الدرجات فهو بيان للتشريف كما نقول - ولكلام اللّه المنزلة - لفلان مكانة عندي فأي درجة أعلى من درجات عند اللّه .
الوصف الثاني - أن لهم مغفرة أي أنه غفار الذنوب وقابل التوب يغفر لهم وذلك تقريب من اللّه تعالى لهم ، فإنه تعالى يتجاوز عن سيئاتهم إذا تابوا وأنابوا ، وتلك منزلة مقربة ، وتثبت أنهم قريبون منه تبارك وتعالى .
والثالثة - رزق كريم ، والرزق عطاء اللّه تعالى ، وهو رزقان : مادي ومعنوي ، فأما المادي : فهو عطاء اللّه في الدنيا ، بحيث يغنيه عن الناس لا يجعل حاجته عند أحد ، بل تكون حاجته عند اللّه ، والمال نعمة لمن أحسن تحصيله ، فلم ينله إلا من حلال ، ولم ينفقه إلا في حلال ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم قد ورد أنه قال : « نعم المال الصالح للمرء الصالح » « 1 » .
هامش
( 1 ) رواه أحمد : مسند الشاميين - حديث عمرو بن العاص عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ( 17096 ) .