ما موضع « كما » في التشبيه ، ذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري عدة تفسيرات كلها تحتملها الآية ، فذكر أنها متصلة باختلافهم في الأنفال ، وأن اللّه تعالى انتزعها من أيديهم على رغبتهم فيها كذلك
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ
بالأمر الثابت
وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ
يقول الطبري في توضيح هذا المعنى : « ومعنى هذا أن اللّه تعالى يقول : كما أنكم لما اختلفتم في المغانم ، وتشاححتم فيها ، فانتزعها اللّه تعالى منكم وجعلها إلى قسمة ، وقسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقسمها على العدل فكان هذا هو المصلحة التامة لكم ، وكذلك لما كرهتم الخروج إلى الأعداء من قتال ذات الشوكة ، وهم النفير الذين خرجوا لنصر دينهم ، وإحراز عيرهم فكان عاقبة كراهتهم للقتال بأن قدره اللّه لكم ، وجمع به بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد رشدا وهدى ونصرا وفتحا ، كما قال تعالى :
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
( 216 ) [ البقرة ] .
وخلاصة المعنى أن اللّه يختبركم الآن كما اختبركم في الغنائم ، فقد أخذها منكم وتولى النبي صلى اللّه عليه وسلم قسمتها بالعدل والمصلحة ، كذلك اختبركم ، فأخرج النبي صلى اللّه عليه وسلم لذات الشوكة والمصلحة
وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ
.
ونرى أن هذا التخريج مؤداه أن اللّه اختبركم بمنع نفوسكم من المشاقة في المال ترويضا على الصبر على هوى النفس ، وقمعها عن شهواتها استعدادا للقتال كذلك اختبركم بحمل أنفسكم على ما تكره ابتلاء بالصبر على المكاره ، كما اختبركم بالصبر على رد هوى النفس ، فكلاهما لا بد منه للجهاد .
ويذكر ابن جرير وجها آخر ، فيقول : « قال آخرون معنى ذلك : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره من فريق من المؤمنين ، كذلك هم كارهون للقتال ، فهم يجادلونك فيه من بعد ما تبين لهم أنه الحق » .
ومؤدى هذا أنهم وجد فيهم حال تردد أو على الأقل كراهية للقتال مرتين :
مرة عندما أخرجك ربك من بيتك بالحق وهو الأمر الثابت الذي قامت الدواعي إليه وكان ذلك للعير ، ومرة أخرى عندما تعين القتال ، وصار الأمر للنفير لا