تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3052

مساهمون:

ص٣٠٥٢
ما جاء فيها من تكليف هو رحمة للعالمين ، ومواعظ ، وعبر وقصص في ذكر الأولين ؛ ولذا قال تعالى بعد ذلك :
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
( 204 ) . القراءة للقرآن عبادة من القارئ ؛ لأنه يتلو كلام اللّه تعالى ، وأي منزلة في القربى إلى اللّه تعالى أعلى من أن يكون متحدثا بحديث اللّه فهو يتكلم بكلام خالق الوجود ، وتجرى على لسانه عباراته جل وعلا ، ويرطب لسانه بأطيب كلام ، فهو عبادة ؛ ولذلك وجب أن يكون متطهرا من الجنابة ويحسن أن يكون على طهارة كاملة . إن قراءة القرآن سمو إلى المكان الأعلى والمقدس الأقدس لمن تدبر موقفه عند القراءة ومقامه . والاستماع إلى القراءة عبادة ، إذا استشعر بأن اللّه تعالى يخاطبه بالقرآن من أعلى الملكوت ، وهو إن يستمع يناهد إلى مقام رب العزة فيستمع إليه ، أكاد أرى أن هذا مقام طهر ، لا يستمع إليه من به نجاسة من جنابة وإذا كان الفقهاء لم يصرحوا بهذا فإني أراه مقتضى مقام الطهر لمستمع أطهر قول في الاستماع افتعل من السماع أي طلب سماعه ، والإقبال عليه ، وتلقيه بقوة وتقبله وتقبل معانيه ؛ ولذا قال بعض المفسرين : إن الاستماع هو تدبر المعاني ، والاستبصار بها ، وإدراك مراميها ومغازيها ، فليس المراد مجرد السماع ، بل السمع في تدبر وتفهم وتذكر واعتبار . وقال تعالى :
فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا
الإنصات معناه السكوت للاستماع والمراعاة ، والإصغاء ، فمعنى
أَنْصِتُوا
، أي هيئوا أنفسكم للاستماع وأعدوها وراعوا ما تسمعون ، وكان الإصغاء تقدمه للاستماع ، بأن يفرغ النفس له ، ويقدم عليه ، كأنه مقدم علمي صاحب الكلام ، وهو رب العالمين ، ألم تر الناس وهم يقدمون على استماع كلام عظيم من عظماء الأرض في سلطانه ، يستعدون وينصتون فكيف بكلام مالك الملك ذي الجلال والإكرام والإنعام .