تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3054

مساهمون:

ص٣٠٥٤
وذكر اللّه تعالى يكون في حال خوف من عقابه ؛ ولذا قال تعالى :
وَخِيفَةً
، أي حال خوف فإن الخوف من اللّه يطهر النفس ، ويجعلها لا تستحسن ما تقدم ، بل تستصغر ما تقدم وتطلب المزيد من الخير فترضى اللّه تعالى أو تنال رضوانه ، وهو أكبر جزاء ، وإن الخوف يوجب استصغار شأن العبيد ، ومن عز عند اللّه كانت له العزة ، ومن عز عند العبيد كانت له الذلة ، ومن خاف من اللّه لا يخاف الناس . وإن الذكر لله الأصل فيه القلب ، ولكن يكون مع القلب ذكر اللسان ، بحيث لا يسمع إلا نفسه ؛ ولذا يقول تعالى في حال الذاكر لله :
وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
. وإن اللّه - سبحانه - حد النطق باللسان فجعله دون الجهر من القول ، أي لا يرفعه جاهرا ، ولا يخفضه خافتا ولكن لا بد من ذكر اللسان ؛ لأن ذكر اللسان ، يسد منافذ الشيطان ، فحركة اللسان المقصودة تضبط النفس نحو ذكر اللّه تعالى : ويجعل ذكر النفس ثابتا ، وعمرانها بالله قائما لا ينسى وحدّ اللّه تعالى الوقت فقال :
بِالْغُدُوِّ
أي في غداة اليوم ،
وَالْآصالِ
، وهي جمع « أصيل » ، ك « يمين » و « أيمان » . إن الذكر يكون وقت الغدو أي وقت الصفاء ، والآصال أي وقت استرواح النفس من عناء عمل الناس ، وبعض العلماء يقول : إن تحديد هذين الوقتين لدوام الذكر آناء النهار وطرفا من الليل ، أي يكون في ذكر دائم ، ويقرب هذا قراءة « وبالإيصال » أي من الغدوة وأصلا الذكر دائما ما دام صاحيا . وقد يقول قائل : كيف يكون وقت المعاش والقيام بالصناعات ؟ نقول : يجب دوام ذكر اللّه تعالى وهو في عمله ؛ لأن العمل عبادة والذكر عبادة ولا مانع من أن يجتمعا ، فيكون عاملا عابدا ، مجدا ذكر اللّه ، وينطبق على هذا قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا يؤمن أحدكم حتى يحب الشئ لا يحبه إلا اللّه » « 1 » فهو يعمل لينفع الناس ويقصد ذلك ، وهذه عبادة ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « خير الناس أنفعهم للناس » « 2 » .
هامش
( 1 ، 2 ) سبق تخريجه .