الشئ الغائب معظم مذكور بالخير في زعم الذين يسيرون وراء الأوهام ، ولا يحكمون الحقائق في ذاتها ، فكل مستور تتوهم فيه الأوهام ، وتحاط به ، وكذلك كان إخوان السوء يجيئون إلى تضليل الناس من وراء ما يستتر عنهم ، فالغيب عن الناس لم تجئ من ورائه إلا الأباطيل .
بين أيدي الناس معجزة باهرة قاهرة تحداهم النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يأتوا بسورة فعجزوا ، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة مفتراة فعجزوا ، ومع ذلك طلبوا هم وإخوان الغى فيهم أن يأتيهم بآية غائبة لم تأتهم ، فما دامت لم تأتهم فلها قدسية ، فقال اللّه تعالى عنهم :
وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها
.
أي إن الذي أغراهم بطلبها أنه لم يأت بهذه الآية ، ولو سايرهم بمنطق تفكيرهم لتأدى بهم أنه إذا جاءتهم الآية وصارت حاضرة مهيأة بين أيديهم طلبوا آية أخرى وقالوا لولا اجتبيتها ، وهكذا تتوالى الطلبات عبثا ؛ لأن من لا يؤمن لا يقنعه بشيء .
والأولى الوقوف عند حال معينة فاطمة للنفس ، عن متطلباتها ، والوقوف عندها . وقوله تعالى :
وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها
لولا بمعنى هلا للحض على الإتيان بآية معينة طلبوها بذاتها ،
اجْتَبَيْتَها
، أي اخترتها ، وهي آية حسية ، وقد جاءت من قبلهم مثلها فكفروا ، وإذا كانت الجملة شرطية فمؤداها أنهم مطالبون بما لم يأتهم آية بعد آية ، وما هذا شأن المؤمنين ، فالدليل إذا كان مقنعا ، فهو كاف وحده .
ولقد أمر اللّه تعالى نبيه بأن يرد عليهم بقوله :
قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
.
هذا هو الجواب الذي أمر اللّه تعالى به نبيه أن يجيبهم على الطلب الذي دفع إليه أوهامهم الباطلة وهو مكون من أجزاء ثلاثة :
الجزء الأول عبر النبي صلى اللّه عليه وسلم بقول :
قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي
وخلاصته أن الآية يختارها لي ربى لا أبدى عليه ، ولا أعين له ، وقد قصر الآية