تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3053

مساهمون:

ص٣٠٥٣
القرآن قراءته عبادة ، والاستماع إليه مع التدبر والتأمل وتعرف أسراره عبادة ، وهو جزء من أكبر عبادة ( وهي الصلاة ) ؛ ولذا قال تعالى :
. . . فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ . . .
( 20 ) [ المزمل ] . وقال بعض العلماء : إن قوله تعالى :
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا
نزلت للقراءة في الصلاة . ونقول : إنها عامة ، ولو نزلت في مقام خاص ؛ لأن الأصوليين يقولون العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . ولقد قال تعالى في ختام هذه الآية الكريمة :
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
، أي رجاء أن ترحموا بطلبكم للقرآن ، وتدبر آياته والإنصات إليه ، والأخذ بتكليفاته ، ومواعظه ، فهو رحمة ، ومنه الرحمة ، وهو نور وبرهان . والرجاء من العباد واللّه تعالى يعاملهم معاملة من يرجو وهو القادر العليم . وإذا كان تدبر القرآن والاستماع إليه وتلاوته رحمة ، فذكر اللّه تعالى هو أصل الرحمة ، فقال :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ
( 205 ) . القرآن هو الذكر الحكيم ، وهو الذكر الأكبر ، وهو خير أوراد المؤمنين ؛ ولذلك بعد الأمر بالقراءة والاستماع إليه مع الإنصات رجاء الرحمة أمر - سبحانه وتعالى - بدوام الذكر لله تعالى ، بأن يكون اللّه تعالى حاضرا في نفسه أطراف الليل وآناء النهار لا يغفل عن ذكره - سبحانه وتعالى - وأن يكون حاضرا في قلبه في كل وقت يعمر قلبه ، ويملأ نفسه ؛ ولذا قال تعالى :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
. فالذكر يبتدئ بامتلاء النفس بالله يعمر قلبه دائما ، وأن تكون في حال تضرع وتذلل لله تعالى ، فالذلة لله تعالى هي عين العزة ، والتكبر في حق اللّه تعالى هو عين الذلة ، وإن كان لا يشعر ؛ لأن من ذلّ لله استعلى على الناس بأمر اللّه تعالى ، ومن تعالى على جانب اللّه استعان بأحط الناس قدرا فكان ذليلا ، وسبحان من له العزة والكبرياء في السماوات والأرض .