تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 3039

مساهمون:

ص٣٠٣٩
وفي هذا الكلام إشارتان بيانيتان : إحداهما - الحكم على النبي صلى اللّه عليه وسلم بأنه من الصالحين الذين يصلحون في الأرض ولا يفسدون ، وأن عبدة الأوثان مفسدون ، قد أفسدوا في تفكيرهم وفي اعتقادهم ، وأفسدوا وأضلوا باتباعهم الأوهام ، وبعبادتهم من لا ينفع ولا يضر . والثانية - أن اللّه تعالى ناصر الصالح على الفاسد ، ويتولى الصالحين برعايته ، وأنه - سبحانه وتعالى - لن يضيعهم أبدا ، وأن النصر في النهاية للفضيلة لا للرذيلة ، وللحق لا للباطل ، وهو يتولى عبادة المخلصين دائما . وإذا كان اللّه ناصر المؤمنين ، فالشيطان ولى الكافرين ؛ ولذا قال تعالى :
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ
( 197 ) .
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ
الخطاب للمشركين ، وقد ذكر معناه آنفا ، وكرر القول فيه لبيان الحق الذي ينكرونه ، ولتثبيت القول في نفوسهم ، ليخرج منها الوهم ، فإن القول إذا قيل فتح خطأ في النفس ، فإذا تكرر عمقه ، ولا يزال يتعمق حتى يستكن فيها ، فإذا كتب اللّه تعالى له الهداية استرشد ، وعلم أنها أوهام ، وإن لم يهتد فمآله الضلال . إن الأوثان لا تضر ولا تنفع فلا تستطيع نفعا ، ولا تنصر نفسها . ثم قال اللّه تعالى :
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
( 198 ) . الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، والمتحدث عنهم المشركون فإنهم مع هذه البراهين ومع هذه الأدلة الحسية التي تفيد أنها لا تضر ولا تنفع ، وأنها دون من يعبدها حسا ومشاهدة ، وأنهم لا ينصرون أحدا ولا ينصرون أنفسهم ، مع كل هذا عاكفون على أصنامهم يعبدونها ، وإذا سمعوا دعوة الحق أعرضوا عنها ، ولذا قال تعالى :
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا
أي لا يسمعوا سماع وعى وإدراك وتأمل ، بل هم معرضون ، وشبهت حالهم في عدم تدبر القول ، وتعرف ما فيه بعدم السماع ، باعتبار أن سماعهم الحسى لا جدوى فيه ، إذ لا يتدبرون ، بل على
زهرة التفاسير — صفحة 3039 | محمد أبو زهرة