بعد أن بين اللّه - سبحانه وتعالى - أن البراهين العقلية لا تجدى معهم ، وأن الأدلة الحسية لا ترشدهم ، وأنهم في الغى يعمهون فيه - أمر اللّه تعالى نبيه أن يستمر في دعوة الحق في رفق ، وحكمة ، وأن يبين مكارم الشريعة في ذاتها ، فإنها بما فيها من صلاح ودفع فساد ، وهداية داعية لنفسها من غير برهان ولا دليل ، مع التأليف « 1 » ، كما قال تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . . .
( 125 ) [ النحل ] ، وكما قال صلى اللّه عليه وسلم : « تآلفوا النفوس » « 2 » . والآيات الكريمة تبين :
أولا - جماع مكارم الأخلاق في قوله تعالى :
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
( 199 ) .
وثانيا - تبين علاج النفس إذا عراها نزغ الشيطان وفساده بالغضب أو الجهل والحمق ، وهو الاستعاذة من الشيطان الرجيم ، وذلك بقوله تعالى :
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
( 200 ) .
فالالتجاء إلى اللّه في أزمات النفس فيه النجاة ، كالالتجاء إليه سبحانه في الكروب .
وثالثا - أن ذكر اللّه تعالى يبصر القلب بعماه إذا ضل ، وما ضل الذين ضلوا إلا بتركهم لذكر اللّه ، وقد بين ذلك بقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ
( 201 ) .
هامش
( 1 ) أي مع تأليف القلوب بالمال والخلق الحسن .
( 2 ) انظر كنز العمال : ج 4 ، ص 49 ( 10158 ) .