والحق أنه دونكم لأنه أصم لا يسمع ، أبكم لا يتكلم ، قد محيت منه آية الإبصار فلا يرى . ولقد تحداهم أن يدعوهم ، فإن استجابوا كان لكم أن تدعوا ما تدعون زورا وربما تعدون في العقول ؛ ولذا قال تعالى :
فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
في دعواكم الألوهية . والأمر للتحدى أو للتعجيز لا للطلب ولا الإباحة .
وهنا ملاحظات بيانية :
الأولى - أنه سبحانه وتعالى قال عن الأحجار :
عِبادٌ أَمْثالُكُمْ
وكيف يقال إنها عباد ، وكيف يقال : إنها مثل المشركين ، وكيف يتحدث عنها كأنها جمع مذكر سالم ؟ . والجواب عن هذا أن الواضح هو بيان مثليتها في أنها مخلوقة مثلهم ، وعلى الأقل هي متماثلة مع المشركين في أنها خلق لله لا تعبد كما لا يعبدون ، فكيف يعبدونها ، وهذا القدر كاف لاستنكار عبادتها ، وتسميتها عبادا من حيث إنها خاضعة لله ، فلله يسجد طوعا أو كرها كل ما في السماء والأرض من أجرام .
والبعض يزعم أن للجماد روحا
. . . وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ . . .
( 74 ) [ البقرة ] . وعود الضمير عليها كضمير جمع العقل مجاراة لهم في تفكيرهم ، إذ جعلوها من العقلاء فعبدوها .
الثانية - لام الأمر في قوله تعالى :
فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ
ما موضعها من القول ؟ نقول : إن موضعها أنها لام الأمر ؛ يطلب إليهم رب العزة أن يأمروهم ليستجيبوا ، أي أن الأمر بالاستجابة ليس من اللّه تعالى ؛ لأن اللّه تعالى لا يطلب الاستجابة ممن لا يجيب ، بل الأمر يكون من غيره ممن يعبدها وليكون التعجيز والتحدي كاملا .
وبهذا التخريج يكون طلب الاستجابة من المشركين لا من اللّه تعالى .