بالعذرة فيجىء عمرو بن الجموح فيرى ما صنعا به فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفا ، ويقول له : انتصر ، ثم يعود لمثل ما صنعوا ، ويعود لمثل صنيعه أيضا حتى أخذاه مرة فقرناه مع كلب ميت ودلياه في حبل في بئر هناك ، فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل ، وقال :
تاللّه لو كنت إلها مستدن * لم تك والكلب جميعا في قرن
هذه صورة من صور الوثنية .
ولقد أدرك عمرو بن الجموح الدين الحق فأسلم وحسن إسلامه واستشهد يوم أحد .
تدرج اللّه تعالى مستنكرا لعبادتهم من أدنى حال متصورة لهم إلى أعلاها ، فذكر أنها أحجار لا تضر ولا تنفع ولا تستطيع لأحد نصرا ولا تنصر نفسها ، ثم صور لهم أنها تنادى فلا تجيب لأنها لا حياة فيها ، إنما يجيب النداء للأحياء ولو كانت تنعق ، ثم تدرج إلى تصور أنها من الأحياء ، فإنها لا تستجيب للدعاء ، فقال تعالت كلماته :
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
( 194 ) .
الخطاب للمشركين من أول الحديث في عبادتهم الأوثان ، واللّه - سبحانه وتعالى - يتدرج في تصويره لما يعبدون من أحجار لا تنفع ولا تضر ولا تسمع ، وليس فيها حياة إلى فرض أن فيها حياة ، وفي هذا الفرض البعيد لا يعلون عليكم معشر المشركين ، بل ينهدون إلى أن يكونوا عبادا مثلكم والمعبود يجب أن يكون أعلى منكم لتسجدوا له ، فكيف تعبدون مثلكم ، ولما ذا تختارونه للعبادة وهو على أكثر تقدير له - مثلكم ؟ ! .