والتعبير ب
قَطَّعْناهُمْ
يدل على أنهم وإن دخلوا في أمم أخرى في الأرض متصلون بعضهم ببعض ، وكذلك الأمر في شأنهم كما نراهم حتى اليوم ، وإن هذه الجماعات التي تفرقت كانت في الماضي
مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ
قائمون بالحق آخذون به مهتدون بهدى الكتاب الذي نزل على موسى - عليه السلام -
وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ
، أي دون الصلاح ، أي ليسوا صالحين ، وعبر سبحانه بقوله :
دُونَ ذلِكَ
للإشارة إلى أن الصالحين في المنزلة العليا مهما يكن حالهم من فقر أو غنى ، وأن غير الصالحين في المنزلة الدنيا مهما كانوا من سطوة ومهما يكونوا من غنى وقوة ، فالصلاح له العلى ، والفساد له المنزلة الدنيا مهما يكن حال أهله .
ويذكر - سبحانه وتعالى - أنهم وهم متفرقون في الأرض إنما يختبرهم سبحانه بالحسنات ، فإن شكروها كانوا صالحين ، وإن كفروها كانوا في المنزلة الدون ، ويختبرهم بالأمور التي تسوء فإن صبروا أجروا ، وإن جزعوا فإن اعتبروا اهتدوا ، وإلا فهم في ضلال بعيد ، وذلك كقوله تعالى :
. . . وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً . . .
( 35 ) [ الأنبياء ] .
والحسنة هي الحال الحسنة كالخصب وتوفير الرزق ، والاطمئنان . والسيئة الحال التي لا تسر ، بل تسىء كالجدب والآفات ، واللّه - سبحانه وتعالى - هو الحكيم الخبير .
وإن ذلك الاختبار بالحسنة والسيئة وتوالى الأمرين ، والضراعة في حال النقمة ، رجاء أن يوفوا قدره وأنه هو الذي ينفع ويضر ، وأنه هو القادر على كل شئ ، وإذا عرفوا ذلك وآمنوا به رجعوا إلى الحق ورجعوا إلى ربهم واهتدوا ؛ ولذا قال تعالى :
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
، أي أن اللّه - سبحانه وتعالى - عاملهم معاملة من يريد أن يرجعوا إلى جنابه الأعلى وساحته العليا ، فيهتدوا بعد بعد عنه سبحانه .
كان هؤلاء فيهم الصالحون ومن هم دون ذلك ، وكلما تقادم العهد وطال بينهم وبين موسى - عليه السلام - قست قلوب الأكثرين ؛ ولذا كان الأكثرون من