تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 2994

مساهمون:

ص٢٩٩٤
وقد يقول قائل : إن لهم في هذه الأيام غلبا ، فهم يسيّرون دفة الأمور في الأرض الجديدة ، وإن كانوا عددا قليلا ، وهم يتحكمون في مال الدنيا وخيراته ، وهم قد اقتطعوا من أرض العرب قطعة طاهرة مقدسة . ونقول في ذلك : إنها فترة صغيرة في حكم الزمان ، وعرض من أعراض الحياة الفاسدة في الأرض ، وهم الأذلاء وإن بدوا في غطرسة ، فمن يستمد القوة من غيره ذليل ، ولو حكم وملك ، ولقد قال تعالى :
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ . . .
( 112 ) [ آل عمران ] . ولقد صدق اللّه إذ يقول :
إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ
، أي إن العقاب الذي ينزله تعالى سريع مؤكد وقوعه ، والسرعة هنا تطوى في ثناياها معنى الشدة ؛ لأنه يفجؤهم من حيث لا يحتسبون ، ويجيئهم من حيث لا يتوقعون فيكون أشد وأقسى . وإنه - سبحانه وتعالى - بجوار عذابه للمعاندين الكافرين المستكبرين تكون رحمته ومغفرته للمؤمنين المتقين ؛ ولذا يقول تعالت كلماته :
وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
، أي أنه يغفر الذنوب جميعا برحمته ، وقد أكد غفرانه ورحمته بالجملة الاسمية ، وبأن ، وباللام في خبر إن ، وكذلك كان تأكيد العقاب . وقد تفرق بنو إسرائيل في الأمم ، وكان منهم الصالحون ، ومنهم القاسطون ؛ ولذا قال تعالى :
وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ .
إن اللّه تعالى كتب على المعاندين من بني إسرائيل الذلة إلى يوم القيامة ، وحكم فيهم القاهرين من المغول ، والرومان ، وأهل أوروبا ، حتى ضلوا بهم ، ومن أخذهم برفق أخذوه بالعنف والدس اللئيم . أشار - سبحانه - إلى أنه كان من بعد موسى أخيار صالحون ، وأشرار فاسدون ، فقال :
وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً
، أي فرقناهم في الأرض أمما ، أي جماعات منفصلة عن غيرها ، كأنها أمم قائمة بذاتها ،
زهرة التفاسير — صفحة 2994 | محمد أبو زهرة