تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 2998

مساهمون:

ص٢٩٩٨
الاستفهام للإنكار بمعنى النفي والتوبيخ ، وقد دخل الاستفهام على المنفى ب « لم » ونفى النفي إثبات ، فالمعنى قد أخذ عليهم ميثاق الكتاب ، وهذه الصيغة فيها تأكيد لأخذ الميثاق بإقرارهم كأنهم سئلوا ذلك ، وأجابوا بالإيجاب ، ولأنه يتضمن استنكار وقوعهم في مخالفة الكتاب وترك الأخذ بميثاقه ، أي أحكامه المؤكدة الموثقة عليهم التي توجب الطاعة
أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ
أي فحصوه وعلموه وأدركوا مغازيه وما يرمى إليه ، ويدعوهم اللّه فيه ، فما فعلوا ذلك عن جهالة بل قد قدمت لهم أسباب العلم كاملة ، وإذا كانوا قد أهملوا الأخذ بها بعد بينة تجعلهم يحملون التبعة كاملة غير منقوصة . ويلاحظ هنا بعض عبارات تشير إلى حقائق ثابتة : أولاها - أن الميثاق الذي أخذ عليهم ألا يقولوا على اللّه إلا الحق مع أن ما فسقوا به عن أمر ربهم أمور عملية ، وخلاصتها أنهم يأخذون بالعرض الذي هو أدنى وهو عمل لا قول ، ونقول في الإجابة عن ذلك : أولا - أنه ساد فيهم الكذب على اللّه والادعاء عليه كقولهم :
. . . نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ . . .
( 18 ) [ المائدة ] ، وذلك بلا ريب غير الحق ، قالوا على اللّه تعالى كذبا وافتراء عليه ، فخالفوا الميثاق الذي أخذ عليهم بألا يقولوا على اللّه إلا الحق . وثانيا - أن فعل الباطل يسبقه قول باطل يحسنه ، فالنفس المنحرفة يبتدئ انحرافها في الفكر ، فيدفع إلى القول الباطل يزين الفعل الباطل ، والذين يغيرون الشرائع يبتدئون بتزيين مخالفتها وتسهيلها فيقولون أولا على اللّه غير الحق ، ثم يفعلون الباطل المنهى عنه ، فالقول ذريعة العمل . ثانيها - أن العصاة دائما يغرهم الغرور ، فيغلب عليهم الطمع من غير عمل على الخوف الذي يدفع إلى العمل ، فهؤلاء بنو إسرائيل طمعوا في اللّه دائما حاسبين أنه لا يعذبهم وأهملوا أمره ونهيه ، وكانوا مثلا للفاسدين ، فكان من التربية للنفس المؤمنة أن تغلب الخوف من العذاب ، على رجاء الثواب .