تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 2973

مساهمون:

ص٢٩٧٣
والأمر الرابع ذكره سبحانه وتعالى في قوله :
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ
والإصر هو الثقل ، والمراد ثقل التكليفات فلم تكن تكليفاتهم يسيرة ، بل كان فيها شدة وكان فيهم غلظة في طباعهم ، وقسوة في نفوسهم ، فكان تشديد التكليف عليهم تهذيبا لهم ، وكفا لشرّه في نفوسهم ، فكان لا بد لفطمهم عن بعض الطيبات ، كما قال تعالى :
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ . . .
( 160 ) [ النساء ] ، أي هي في أصلها حلال . وقال تعالى :
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ
( 146 ) [ الأنعام ] . ومما رفعه سبحانه وتعالى :
وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ
والأغلال جمع غل ، وهو ما يوضع في العنق في مخنقة ليثقل ويوضع كذلك تقييدا لحركته وإثقالا عليه ، والمراد هنا ما وضع من قيود في الحلال عليهم تهذيبا كتحريم الصيد يوم السبت ، ومنع بعض المحللات في ذاتها ، ولكنها حرمت عليهم تربية لهم . والأغلال مجاز عن هذه القيود التي شدد اللّه بها على نفوسهم لقمعها عن الإسراف في الشهوات ، شبهت هذه القيود بالأغلال الحسية ؛ لأنها ثقيلة على النفوس المستقيمة ، ولكنها علاج للنفوس المريضة السقيمة ، وإن شريعة النبي الأمى جاءت موائمة للفطرة السليمة جاءت لليسر ، دون العسر ، وكانت عزاء للإنسانية كلها لا فرق بين أحمر وأسود ، وهي الباقية ما بقي الإنسان . وإذا كان محمد صلى اللّه عليه وسلم قد جاء برفع الآصار فإن الواجب تأييده ونصره ؛ ولذا قال تعالى :
وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
. الفاء هنا للإفصاح عن شرط مقدر يتضمن الكلام المتقدم فحواه ، ومؤدى القول إذا كان هذا النبي الأمى ينعم اللّه على يده عليكم تلك النعم ، وهو قد جاء بالحق في ذاته ، ورفع عنكم الآصار والأغلال ؛ فعزروه أي فوقروه وأيدوه ،
زهرة التفاسير — صفحة 2973 | محمد أبو زهرة