تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1028

مساهمون:

ص١٠٢٨
روحية سامية حسبها جزاء للصدقة ، ولو كان المعطى كافرا عاصيا . ولقد قال بعض الصوفية في معنى
ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ
أي يطلب المتصدق وجه الباقي ، أي الناحية الباقية في الدنيا والآخرة ، وهي ناحية الله تعالى ؛ ولذا يقولون إن لكل شيء ولكل عمل وجهين : وجها يتجه إلى هذا العالم وما فيه من أناسي ، وهو الوجه الفاني ، والوجه الثاني هو الوجه الدائم الباقي ، وهو رضا الله تعالى . هذه هي الناحية الثانية من الخيرية في النفقة بالنسبة للمنفق من غير نظر إلى من أنفق عليه . أما الناحية الثالثة : فهي التي بينها قوله تعالى :
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ
في هذه الآية الكريمة يبين سبحانه جزاء الصدقات ، من حيث إنها تعود على المنفق مغباتها وثمراتها ؛ والمعنى : أن ما تنفقون من خير في هذه الدنيا يوفى إليكم جزاؤه في هذه الدنيا ، وفي الآخرة ؛ أما في الآخرة فبالنعيم المقيم الخالد ، وهو أضعاف مضاعفة للصدقة ، وجزاؤها في الدنيا من حيث إنها تقوية للعناصر الضعيفة في الأمة ، فتنقلب إلى عناصر قوة تمدها بالخير والمعونة الصادقة ، فتكون قوة عاملة منتجة تعود ثمرات أعمالها إلى الجميع ومنهم المنفقون ، وإن الفقراء إن لم يعطوا كانوا أداة تخريب وهدم ، والصدقة تجعلهم عنصر عمل وبناء ، وخير ذلك للجميع . وقد أشار سبحانه إلى أن ذلك الجزاء الدنيوي والأخروى هو للصدقة ، وكأنه وفاء لها مولّد منها ؛ ولذا سماه بها ، فقال :
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ
أي يعود إليكم ذات الخير ، فالجزاء لأنه ثمرة لازمة كأنه هو نفس الإنفاق ، والنتيجة لأنها متولدة عن الإنفاق كانت كأنها هو . ثم ختم سبحانه الآية بقوله :
وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ
أي لا تنقصون أىّ جزاء لعمل قدمتموه لا تبغون به إلا وجه الله تعالى ، وهو العليم الحكيم القادر على كل شئ ، وإلى الله المصير .