تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1025

مساهمون:

ص١٠٢٥
وبهذين الخبرين يتبين أن هذه الآية الكريمة نزلت لبيان أن الصدقة تسوغ على غير المسلم ، بل تجب إذا كان غير المسلم في حاجة شديدة ، ويخشى عليه إن لم يقدم له عطاء ينقذه . وإن هذه الآية وما يليها من آيات تبين من يستحقون الصدقات ومن يؤثرون ، فصدرها سبحانه وتعالى بالإشارة إلى أنه يسوغ إعطاء غير المسلمين ، بل يجب ، وبذلك التصدير يتبين موضع الإسلام من احترام الإنسانية ، والإخاء الإنسانى العام ؛ فإنه يدعو إلى التعاون والسلم العام ، وما يحارب إلا لتقرير ذلك السلام ؛ فقد قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً . . .
( 208 ) [ البقرة ] وقال تعالى :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ . . .
( 61 ) [ الأنفال ] . ومعنى قوله تعالى :
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ
أي أن الواجب المفروض عليك هو التبليغ والدعوة إلى ربك بالموعظة الحسنة ؛ فليس عليك أن تهدى عاصيا ، ولا تدخل الإيمان في قلب كافر ، فلا تمنع صدقة لأجل الكفر ، ولا تمنع عطية للحمل على الإيمان
وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
فهو يهدى من يسير في طريق الهداية ، ويفتح قلبه لنور الإيمان ، فيوفقه المولى العلى القدير العليم بما تخفى الصدور إلى الحق فيدركه بعد أن يأخذ في الأسباب ، ويسد عن قلبه مداخل الشيطان إليه . وعليك أنت أيها الرسول أن تبلغ ما أنزل إليك ، وأن تعامل الناس بما يليق بأخلاق أهل الإيمان ، وباحترام الإنسانية وسد حاجة المعوزين ، ولو كانوا من المخالفين الذين يدينون بغير دينك ، وأن تعاملهم بالتي هي أحسن . وبهذا المنهاج القويم أخذ السلف الصالح رضوان الله تبارك وتعالى عليهم مقتدين بالنبي صلى اللّه عليه وسلم . وإنه يروى أنه في الموادعة التي كانت بين النبي صلى اللّه عليه وسلم والمشركين التي تمت في صلح الحديبية أصابت قريشا ضائقة ، فأرسل النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى أبي سفيان بن حرب زعيم الشرك في ذلك الإبان خمسمائة دينار يشترى بها قمحا يفرج به ضائقتهم ، ويسد حاجة المعوزين منهم ، وهم ما زالوا مشركين « 1 » .
هامش
( 1 ) رواه أبو داود : الأدب - الحذر من الناس ( 4219 ) ، وأحمد ( 21454 ) .