تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1027

مساهمون:

ص١٠٢٧
الناحية الأولى : أنها تعود على نفسه بالتهذيب والتربية ، وتقوية الإحساس بحق الجماعة عليها ، والتأليف الروحي بينها وبين الناس ؛ وهذا ما ذكره سبحانه بقوله :
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ
أي أن كل شئ تنفقونه خير عائد على أنفسكم من حيث إنه يهذبها ، ويقوى صلاتها الاجتماعية ، ويرهف الوجدان ، وفوق هذا وذاك فإن الإنفاق يدفع غوائل اجتماعية إن سلطت على الجماعة أذهبت وحدتها ، وقوضت بناءها ؛ فإن أولئك الفقراء إن لم يمكنوا من حقهم في الحياة كانوا أداة تخريب وعنصر هدهم ، وكانوا كالشاة إذا جوعتها انتشرت ذئبا ، وافترست كل ما في طريقها ؛ وإن دفع هذه الكوارث هو حماية للنفس ، ودفاع عن الوجود ، وهذا المعنى يتضمنه قوله تعالى :
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ
لأنه حماية لها . فهذه هي الناحية الأولى التي تعود بالخير على المنفق ، أيا كان من يعطيه ، وأيا كان مقدار العطاء قليلا أو كثيرا ؛ ولذا قال :
مِنْ خَيْرٍ
ف « من » الدالة على البعضية تنبئ عن أنه يجوز الإنفاق بالقليل والكثير ، وفي كلّ خير يعود على النفس . والناحية الثانية : ما أشار إليها سبحانه بقوله تعالى :
وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ
فهذه الجملة السامية تثبت الخيرية في الصدقة ، ولو كانت لعاص أو كافر ؛ ذلك لأنه لا يقصد بالعطاء إرضاء العاصي أو الكافر إنما يقصد بالعطاء وجه الله تعالى ورضاه ، ورضا الله سبحانه وحده غاية ترجى ، وخير عظيم يطلب ، ومقصد أسمى يتجه إليه المؤمن ويبتغيه طالب الهداية ؛ فإن المؤمن العامر قلبه بالإيمان يحس بروحانية إن طلب رضا الله وابتغاه ، أي طلبه بشدة . وقوله تعالى :
ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ
لا يدل على طلب رضا الله فقط ، بل يدل مع ذلك على طلب إقبال الله تعالى عليه ؛ لأن كلمة
وَجْهِ اللَّهِ
تدل على الرغبة في المواجهة والاتصال بالله تعالى ، وإقباله على ربه ، وإقبال ربه عليه ؛ وتلك منزلة