من حيث إنه طوى لفظ الصدقة ، ولم يصرح فيه بالإسناد ووضعه بجوار الفقراء ؛ للإشارة إلى أن الأدب يوجب على المعطى ألا يصرح أن يعطيه بأن هذا صدقة ، حتى لا يحس بمذلة الأخذ ، فحذف القرآن لفظ الصدقة عند الإسناد إلى الفقراء مع وجوده في السابق من القول ، ليخفيه المعطى عند العطاء ، مع احتسابه النية بإخفائه المقصد .
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى للفقراء الذين يستحقون الصدقة أوصافا أو أحوالا خمسة :
الوصف الأول منها : ما ذكره سبحانه وتعالى بقوله :
أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أي منعوا من الكسب الحلال الطيب الذي يطلبه صاحبه مجاهدا في طلبه .
فالإحصار هنا المنع ؛ وأصله من الحصر بمعنى التضييق كما قال تعالى :
وَاحْصُرُوهُمْ . . .
( 5 ) [ التوبة ] أي ضيّقوا عليهم . والإحصار هو التشديد في التضييق بالمنع من الحركة والسير والعمل المنتج المثمر ؛ والمنع إما أن يكون لعجز مطلق بمرض أو شيخوخة أو صغر أو غير ذلك ، وإما أن يكون المنع بسبب ضيق مسالك الكسب ، فإن كان قادرا ولا يجد عملا مع طلبه ، أو هو مشغول عن طلب الرزق لنفسه بما هو أجدى على الجماعة وأنفع كالفدائيين الذين يتقدمون الصفوف ليفتدوا جماعتهم ، ويعلوا كلمة الحق ، ويخفضوا كلمة الباطل ؛ فكل هذا إحصار ومنع من اكتساب الرزق .
وعبر في الآية الكريمة ب
أُحْصِرُوا
بالبناء للمجهول للإشارة إلى أن فقرهم لم يكن نتيجة امتناع عن العمل المجدى النافع ، ولم يكن تخاذلا أو كسلا ، أو تهاونا في طلب الرزق الحلال ، إنما كان بمنع من غيرهم ، أوليس لهم فيه إرادة حرة قد آثروا فيها الكسل على العمل ، وإنما كان المنع عجزا ؛ أو لأنهم بمقتضى التوزيع العادل والتنسيق الكامل في الأعمال تحبسهم الجماعة عن طلب الرزق لينصرفوا إلى عمل آخر يجدى وينفع كالجهاد في سبيل الله ، فكانوا ممنوعين عن طلب الرزق بحكم الواقع أو التكليف ولم يكونوا ممتنعين .