ويروى أن عمر بن الخطاب وجد شيخا ذميا على باب المسجد يتكفف الناس ، فأجرى عليه رزقا مستمرا من بيت المال بعد أن قال له كلمته الرحيمة : « ما أنصفناك ! أخذنا منك الجزية صغيرا ، وضيعناك كبيرا » .
ولقد أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم المسلمين أن يعطوا فقراء غير المسلمين من صدقة الفطر فقال عليه السلام : « أغنوهم عن سؤال هذا اليوم » « 1 » .
وإنه إذا كانت الصدقة جائزة على غير المسلمين فأولى أن تكون جائزة على عصاة المسلمين . وقد أجمع على ذلك علماء المسلمين ، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا ابن تيمية ؛ فقد أفتى بعدم جواز ذلك لئلا يكون ذلك تشجيعا لعصيانهم ؛ وهذا غير ما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم والبخاري عن أبي هريرة فقد قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « قال رجل : لأتصدقن الليلة بصدقة فوضعها في يد زانية فأصبح الناس يتحدثون : تصدق على زانية ، فقال : اللهم لك الحمد على زانية ، لأتصدقن الليلة بصدقة ، فوضعها في يد غنى ، فأصبحوا يتحدثون : تصدق الليلة على غنى ، قال : اللهم لك الحمد على غنى ، لأتصدقن الليلة ، فخرج فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون : تصدق الليلة على سارق فقال : اللهم لك الحمد على زانية وغنى وسارق فأتى ، فقيل له : أما صدقتك فقد قبلت ، وأما الزانية فلعلها أن تستعف بها عن زناها ، ولعل الغنى أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله ، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته » « 2 » .
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ
بيّن سبحانه أن الصدقة تجوز لكل من يكون في حاجة إليها ، سواء أكان مؤمنا أم كان كافرا ، وسواء أكان برا تقيا ، أم كان فاجرا عصيا ، فالعطاء لإنقاذ الإنسانية أيا كان صاحبها بعد أن بين ذلك بين سبحانه أن الصدقة كيفما كانت ، وأيا كان موضعها هي خير لصاحبها ؛ وخيريتها ثابتة من ثلاث نواح :
هامش
( 1 ) أخرجه الدارقطني عن أبي معشر ، كما رواه ابن عدي في الكامل وأعلّه بأبى معشر ، وراجع أيضا جمع الجوامع ( 3667 ) .
( 2 ) رواه البخاري : الزكاة - إذا تصدق على غنى وهو لا يعلم ( 1332 ) ، ومسلم واللفظ له : الزكاة - ثبوت أجر المتصدق ( 1698 ) ] .