تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1031

مساهمون:

ص١٠٣١
وكلمة
فِي سَبِيلِ اللَّهِ
ما موضعها في الوصف المذكور ؟ قال بعض العلماء : إن كلمة في سبيل الله في هذا المقام فيها إشارة إلى سبب الإحصار والمنع ، وهو أنهم حبسوا أنفسهم للعمل في سبيل الله ، وانقطعوا عن المكاسب وطلب الرزق ؛ لأنهم ربطوا أنفسهم في سبيل الله بالجهاد في سبيل إعلاء الحق ، أو بالقيام بعمل عام ، وقالوا إن هذه الآية نزلت في أهل الصّفّة ، وهم طائفة من المهاجرين الفقراء انقطعوا عن أموالهم ، وأقاموا : بالمدينة لا مرتزق لهم فيها ، ينتظرون غزوة يسيرون فيها ، أو سرية يذهبون معها ، فكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يأمر الصحابة ذوى اليسار باستضافتهم ، فتستضيف كل أسرة واحدا أو أكثر على حسب قدرتها ، ومن بقي منهم من غير استضافة بسط النبي صلى اللّه عليه وسلم مائدته لهم في المسجد وأكلوا معه ، وقد أقام لهم في المسجد صفّة ، أي ظلة يأوون إليها يتقون الحر والبرد . وعلى هذا التخريج يكون الإحصار المذكور في الآية ما يكون سببه الانصراف عن العمل بالاشتغال بعمل عام ؛ فإن هذا يوجب على الجماعة التي يعملون فيها أن تجرى على العامل ما يكفيه وأهله بالمعروف ؛ فإن لم تفعل الدولة ذلك ، وهي التي تمثل الجماعة ، تولى الآحاد والجماعات من الناس تهيئة أسباب الرزق لهم بما يكفيهم . ولكن الأوصاف اللاحقة لهذا الوصف تومئ إلى أن الآية الكريمة يدخل في عمومها كل فقير يتعفف عن السؤال ، ولا يستطيع كسب عيشه لأي سبب من الأسباب المانعة أو المعوقة من العمل للرزق ؛ بل إن قوله تعالى :
لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً ،
يجعل موضوع الآية الكريمة الفقراء العاجزين عن الكسب غير المتفرغين لخدمة عامة ؛ لأن هؤلاء لا يتعرضون للسؤال ثم يمتنعون عنه ، إنما الذي يتعرض له ، ويعف عنه هو العاجز لغير ذلك السبب . حينئذ يكون قوله تعالى :
فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أعم من الحال التي ذكرها أولئك المفسرون بأن يكون معناها ، أي في سبيل القيام بما يجب عليهم ، سواء أكان ذلك الواجب رزقا يطلبونه ، ولكنهم يعجزون عن الحصول عليه ، فهم في سبيل هذا
زهرة التفاسير — صفحة 1031 | محمد أبو زهرة