وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
ختم سبحانه الآية الكريمة بذلك الختام السامي ؛ والمعنى فيه أن الله ذا الجلال والإكرام المعبود بحق ، الذي انفرد بالألوهية خبير ، أي عليم علما دقيقا صادقا بما تعملون أيها المؤمنون .
فهذه الجملة السامية تشعر المؤمن برقابة الله تعالى على أعماله ، وعلى بواعث هذه الأعمال وعلى القلوب التي تنبعث منها النيات والمقاصد ، عليم سبحانه بكل ذلك ؛ فإذا أحس العبد برقابة الله القوى القادر بهذا العلم السامي نقّى قلبه من كل شوائب الرياء في صدقاته كلها ، جهرها وسرها ، خافيها وظاهرها . ثم هذه الجملة كما تربى في نفس المؤمن المهابة من الله ، والشعور بمراقبته تتضمن وعدا ووعيدا ؛ لأنه إذا كان الله سبحانه وتعالى عليما علما دقيقا بكل ما يعمل العبد من خير وشر ، فإنه يكافئ العبد بما ينتج فعله ، إن خيرا فالثواب والنعيم المقيم ، وإن شرا فالعذاب الأليم .
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
كان المسلمون الأولون قلة في أرض العرب ، وكان المشركون يحيطون بهم ، واليهود يجاورونهم ، وكان يربطهم بالفريقين صلة قرابة ، أو على الأقل صلة جوار .
فكان بعض المسلمين يمتنع عن مد يد المعونة بالمال ليهودي أو مشرك ، مع شديد حاجته إليه ، وكان ذلك الامتناع من قبل المعاملة بالمثل من جهة ، ولأن فقراء المسلمين الأولى ، ولحمل أولئك على الدخول في الإسلام دين الوحدانية والعزة ؛ فبين الله سبحانه وتعالى أن الصدقة واجب إذا وجد سببها ، ووجدت الحاجة إلى العطاء من غير نظر إلى الموضع الذي يستحقها ، فإنك تكرم إنسانيته ، لا يهوديته ، ولا نصرانيته ولا إشراكه .
ولقد روى ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يأمر بألا يتصدق إلا على أهل الإسلام ، ف نزلت هذه الآية :
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ .
وقال ابن عباس أيضا : « كانوا ( أي أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ) يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين ، فسألوا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فرخص لهم ، فنزل قوله تعالى :
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ .