أما المشبه فهو قوله تعالى :
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ
فالمثل هو الحال والشأن ، ومعنى ابتغاء مرضاة الله طلب رضاه سبحانه وتعالى الدائم المستمر ، فالمرضاة مفعلة من الرضا ، فهي مصدر ميمى من الرضا ، وهو أقوى في الدلالة من معنى الرضا ، إذ المعنى فيها الرضا الثابت الدائم الذي لا يكون معه أي غضب من المولى العزيز الحكيم القوى القهار ، فهو ينفق طالبا قويا موثقا رضا الله سبحانه وتعالى رضا دائما مستمرا .
وأما معنى
« تَثْبِيتاً »
فقد اختلفت عبارات المفسرين حولها ، وإن انتهت إلى الاتفاق على مغزاها ومرماها ؛ وإن أصل معنى ثبت قوى حقيقة ودعمها ، ومن ذلك قوله تعالى :
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ
( 27 ) [ إبراهيم ] ويقال ثبت فلان في الأمر أي صحت عزيمته فيه ودوام عليه ؛ ويقال أيضا : ثبّتّ فلانا في الأمر ، أي جعلته ثابتا فيه لا يتزعزع عنه ولا يضطرب ، وقويت رأيه فيه .
والمعنى على ذلك : أن أولئك المتقين من المنفقين ينفقون طلبا لرضا الله الدائم عليهم وتثبيتا من أنفسهم أي تقوية لليقين والإيمان والاحتساب إلى الله تعالى ، وتلك التقوية وهذا التثبيت صادر عن أنفسهم ، فهم يربون أنفسهم على الإيمان واليقين ، ف « من » في قوله تعالى :
وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ
هي « من » التي تكون بمعنى الابتداء ، أي أن التثبيت مبتدئ من أنفسهم ، فهم يزكونها وينقونها ويراقبونها ، لكيلا يدخلها أي معنى من معاني الرياء والنفاق ، أو الاتجاه إلى المنّ والأذى ؛ وفي هذا إشارة واضحة إلى أنهم ينفقون ما ينفقون قاصدين وجه الله تعالى ، وأن ذلك القصد يستمر دائما ، فلا يجئ وقت يمنون فيه ويؤذون ؛ لأن الثبات يقتضى الاستمرار على حال واحدة ، وهي حال ابتغاء رضا الله وحده ، لا يرجون من غيره جزاء ولا حمدا ولا ثناء ، ولا يبتغون بغير رضا الله بديلا .
ويصح أن يكون معنى
وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ
أي يقينا وإيمانا صادرا من أنفسهم فالمعنى على هذا أن أولئك المنفقين المخلصين يتفقون طالبين رضا الله تعالى