تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 982

مساهمون:

ص٩٨٢
لم يكن في حسبانه ، فثوب الرياء يشف دائما عما تحته ، وإن لم يكشفه فإن الله كاشفه . هذا الكلام يدل على أن التشبيه منعقد بين المرائي والحجر الأملس الذي عليه قدر رقيق من التراب ستر حاله ؛ ولكن كثيرين يجعلون التشبيه بين المنفق المنان والحجر الصلد ، ويكون المعنى على ذلك أن حال المنان في نفقته التي يبطلها بالمن والأذى ، كحال الحجر الأملس الذي عليه تراب كان يرجى أن يكون منتجا منبتا للزرع فيصيبه وابل يزيل التراب الذي عليه ، فيزول سبب إنتاجه ، ومادة الخصب فيه ؛ فالمن والأذى في إبطالهما الصدقات التي من شأنها أن تأتى بالثواب ورضا رب العالمين ، كالوابل الذي يزيل الصعيد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه ، من حيث كان من شأنه أن ينتج الثواب ، فأزال ذلك بمنه وأذاه . وإني أرجح الأول ، لأن التشبيه بلفظ المفرد ، وهو يناسب الذي ينفق ماله رئاء الناس ؛ لأنه بلفظ المفرد ، والمنفق منّا وأذى ذكر بلفظ الجمع ، فالضمير في قوله تعالى :
فَمَثَلُهُ
أولى بأن يعود على المرائي لإفرادهما ، ولأن الآيات التالية تبين حال المنفق ابتغاء مرضاة الله ، وفيها تشبيه صدقتهم بالحبة التي تكون في أرض خصبة ، وإن هذه مقابلة ظاهرة بين المنفق رياء ، والمنفق ابتغاء مرضاة الله ، فكان الأظهر إذن أن يكون التشبيه في هذه الآية بين الإنفاق رياء والحجر الأملس .
لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا
جمهور المفسرين على أن هذه الجملة السامية للدلالة على أن المنان والمرائي كلاهما لا ثواب له ، فالمعنى لا يقدرون ، أي لا ينالون شيئا من المال الذي أرادوا بإنفاقه كسب الثواب ، ولكن كيف يعبر عن نيل الثواب بالقدرة عليه ، وعن الإنفاق بالكسب ؟ وقد يجاب عن ذلك بأنهم إذا أنفقوا فقد صاروا قادرين على الثواب ، وعلى كسبه بمقتضى ما وعد الله به عباده المتقين ، فإذا منّوا وآذوا في نفقته ، فقد انتفت عنهم تلك القدرة على ثواب هذا الذي أنفقوا وقد كان من شأنه أن يكون كسبا لهم .