تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 988

مساهمون:

ص٩٨٨
والتوجيه الأول عندي أولى بالقبول ؛ لأنه ليس في الآية ما يدل على قلة الإنتاج ، فإن قلة المطر لا تستلزم قلة الثمر ، بل قد تكون كثرة الماء معوقة عن الإنتاج لا مكثرة له وعلى ذلك يكون المعنى : أن تلك الربوة لخصبها وطيب مناخها وتخلل الشمس لأجزائها تنتج خيرا كثيرا ، سواء قل الماء أم كثر ، متى وجد القدر المنبت . هذان طرفا التشبيه : المشبه والمشبه به ، وبقي علينا أن نبين وجه الشبه في النص السامي الكريم ، وذلك بتوجيه التشبيه في جملته وسياقه ؛ وذلك أن الله سبحانه وتعالى شبه هؤلاء المنفقين عن إيمان صادق ، قاصدين بإنفاقهم وجه الله جل جلاله لا يبغون سوى رضاه ، مثلهم في إنفاقهم الكثير والقليل كمثل جنة بربوة خصبة منتجة تنتج دائما في حال غزارة المطر ، وفي حال قلته ، فأكلها دائم ، ونفعها مستمر ، لا يمنعون خيرهم إن لم يشكرهم الناس ، ولا يؤذون في نفعهم أحدا من الناس ، ولا يراءون الناس ، فصدقتهم في نماء ، تنمو دائما في الناس بنفع ينالهم ، كصدقة جارية مستمرة لا تنقطع ؛ ثم نفعها للمنفق دائم بما يحسه من أريحية دينية واطمئنان قلب ، ولذة العبودية في الاتجاه إلى الله وحده والاستعلاء بالاستغناء عن شكر الشاكرين ومدح المادحين ؛ ثم يعقب ذلك كله جزاء كريم من رب العالمين ، يوم الدين ؛ ولذا قرر النبي صلى اللّه عليه وسلم أن الصدقة تنمو لصاحبها كما ينمو الفلو « 1 » يربيه صاحبه ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه فيربيها كما يربى أحدكم فلوه ، أو فصيله ، حتى تكون مثل الجبل أو أعظم » « 2 » .
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
ختم سبحانه وتعالى هذه الآية بتلك الجملة السامية ليعلم الناس عظيم مراقبته سبحانه وتعالى لأحوالهم ، واطلاعه على خفايا نفوسهم ، فيراقبوه سبحانه في أفعالهم وأقوالهم ، كما يراقبهم سبحانه ، فتمتلئ قلوبهم عند العمل بعظمته ، فيعملوا ما يعملون محسين بأنه مطلع على ما تخفى صدورهم ،
هامش
( 1 ) الفلوّ هو المهر . ( 2 ) رواه بهذا اللفظ أحمد ( 9064 ) في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وبنحوه عنه أيضا رواه البخاري : الزكاة ( 1321 ) ومسلم ( 1682 ) .