وصف بأخص ما يطلب له الثمر الجيد الطيب المستساغ وهو أن يؤكل ، ومعنى
« ضِعْفَيْنِ »
أي أنها آتت بضعفى ثمر غيرها من الأرض ، والضعف معناه هنا المثل ، وقد ذكرنا ذلك من قبل ، أي أن توافر هذه الأسباب جعلها تنتج بمقدار مرتين مما ينتج غيرها . ويصح أن يكون المراد من الضعفين الكثرة المطلقة من غير تقيد باثنين كما في قوله تعالى :
ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ . . .
( 4 ) [ الملك ] .
ولكن تلك الأرض الطيبة المباركة التي شبهت بها نفس المؤمن الطيبة ، ربما لا يصيبها الوابل وهو المطر الغزير فلا ينتج طيبا في هذه الحال ؛ فبين سبحانه وتعالى أنها تنتج أيضا بمطر قليل ؛ ولذا قال تعالى :
فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ
والطل أضعف المطر ، وزرع الطل أضعف من زرع المطر الغزير وأقل ريعا ، ولكن يكون في عيدانه قوة تماسك ونفع .
ولكن هل يكون المعنى في الآية أنها تنتج ضعفين ، كما أنتجت في حال الوابل ؟ بين أيدينا منهاجان :
أولهما أن نقول : إنها تنتج مثلها بما توافر فيها من علو يجعل الشمس تخلل أجزاءها فتمدها بغذاء يغنيها عن كثرة الماء ، وبما فيها من خصب تتوافر فيه عناصر التغذية أكثر من غيرها ، فيكون ذلك معوضا لها عن قلة الماء ، وتكون النتيجة على هذا التوجيه أن قلة الماء وكثرتها سواء ، لتوافر أسباب النماء . هذا هو التوجيه الأول .
أما التوجيه الثاني فهو أن نقول : إن المعنى أنها تنتج على كل حال ، فإن كان المطر غزيرا أنتجت كثيرا وإن كان المطر قليلا فالإنتاج وإن قل طيب نافع ، وإن كانت الربوة هي المقابلة في التشبيه للنفس المؤمنة الطيبة ، فيكون المعنى أن النفس التقية المؤمنة التي تبغى بإنفاقها رضوان الله تعالى ، وتثبيت إيمانها وتصديقها بالإنفاق في سبيله ، لإنفاقها إنتاج عظيم ، ونعيم مقيم ، إن قل فهو في نفعه كالثمر الذي ينتج من الربوة الخصبة التي يصيبها طل ، وإن كثر فهو كتلك الربوة تؤتى ثمرتها ضعفين إن أصابها وابل ؛ وعلى ذلك فالقليل والكثير ذو نفع عظيم وخير عميم .