تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 986

مساهمون:

ص٩٨٦
وهم موقنون صادقو الإيمان بربهم محتسبو النية له تعالى . وفي ذلك إشارة إلى أن أولئك المراءين الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس أو يتبعون ما ينفقون منّا أو أذى ليس إيمانهم كاملا ، ولا يقينهم مستقرا ثابتا ؛ والمعنيان متلاقيان في الجملة ، أو على الأقل متقاربان جدا . هذه مفردات المشبه ومعناه . أما المشبه به فهو قوله تعالى :
كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ
والجنة البستان ، وسمى البستان جنة ، وهي فعلة من جن بمعنى ستر وغطى ؛ لأن الأشجار تغطيها فلا ترى أرضها ، وكأن الأرض مغطاة بلفائف الأشجار . والربوة المكان المرتفع قليلا ، في خصوبة تربة ، وجودة زرع ، والربوات من الأراضي أخصب وأكثر إنتاجا من المنخفضات ؛ ولما كان مرتفع الأرض لا تصل إليه مجارى الأنهار عادة ذكر الله سبحانه وتعالى أن تلك الربوة قد أنعم الله عليها بوابل أي مطر غزير أصابها ، وبذلك تجتمع لها أسباب الإنتاج الكثير ، وهي ثلاثة : خصب تربة ، وتخلل الشمس لأجزائها ، إذ إنها بارتفاعها صارت الشمس تنفذ إلى الأشجار ، وفي ضوء الشمس غذاء للأشجار كغذاء الماء ؛ والثالث الماء النقى الغزير ، يصيبها به مالك السماوات والأرض يكون لها نعمة يمد زرعها بالغذاء ، ولا يزيل طبقة الخصب فيه كالوابل الذي يصيب الحجر الصوّان فيتركه أملس صلدا ، بل إنه يمدها بالإنتاج لأن الخصوبة فيها ليست قشرة ظاهرة من التراب يزيلها الماء الغزير فلا تنبت بل خصوبتها في معدنها ، وليست مظهرا بل هي حقيقة وجوهر . وإذا كانت أسباب الإنتاج الكثير قد توافرت ، فإن الثمرة ستكون لا محالة بمقدار توافر هذه الأسباب ؛ ولذا قال تعالى :
فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ
فالفاء للسببية أي أن ما قبلها سبب لما بعدها ، وآتت بمعنى أعطت ، والمعطى في الحقيقة هو الله تعالى ، ولكن أسند إليها العطاء لتوافر الأسباب التي خلقها المولى القدير فيها ، وتضافر كل المهيئات التي هيأها المولى العلى القدير لإنتاجها . والأكل : الثمر الذي يؤكل ، وفي التعبير عن الثمر بالأكل من غير وصف سواه إشارة إلى طيب ثمرها وحسنه ، واستساغة النفس له ، وجودة الغذاء منه ؛ لأنه