السابقة ، وهو قوله تعالى :
وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
( 252 ) [ البقرة ] . والإشارة باللفظ الدال على البعيد ، لبيان علو منزلتهم أجمعين ، وأنهم المصطفون الأخيار ، وأنهم مهما تتفاوت منازلهم في رسالاتهم ، هم جميعا ليسوا كسائر الناس ، فلهم شرف البعث والرسالة والاصطفاء .
والتفضيل مشتق من الفضل وهو الزيادة ؛ فمعنى
فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ
هو كقوله تعالى :
وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ . . .
( 55 ) [ الإسراء ] أي جعلنا لبعضهم زيادة في بعض النواحي على البعض الآخر . والفضل هنا إضافى وليس بذاتى ؛ أي أن هذا ليس من ذات الرسل ، إنما هو بما يختص الله بعضهم من معجزات مغايرة لمعجزات الآخرين . ثم التفضيل إضافى لأنه يكون في ناحية من النواحي ، وقد يكون هناك ناحية أخرى فضل بها المفضول غيره ؛ فموسى فضل على عيسى بأنه كلمه الله ، وعيسى فضّل على موسى بأنه أحيا الموتى ؛ فالتفضيل إذن إضافى في موضوعه ، وفي نوعه ، وفي نواحيه .
وإن تفسير التفضيل على ذلك النحو فيه توفيق بين الآيات الكريمات المثبتة للتفضيل بين الرسل وبين ما ورد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم من النهى عن التخيير بين الأنبياء .
فقد روى الأئمة الثقات أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا تخيروا بين الأنبياء » « 1 » « ولا تفضلوا بين أنبياء الله » « 2 » وفوق ذلك فإن النهى عن أن يجرى على ألسنة الناس تفضيل نبي بذاته على نبي آخر فتكون المشادة والملاحاة . وروى في الصحيحين عن أبي هريرة قال : « استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود ، فقال اليهودي ؛ والذي اصطفى موسى على العالمين ؛ فرفع المسلم يده فلطم بها وجه اليهودي وقال : أي خبيث ! وعلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ؟ ! فاشتكى المسلم ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « لا تفضّلونى على الأنبياء » « 3 » .
هامش
( 1 ) متفق عليه ؛ رواه البخاري ( 6405 ) : الديات - إذا لطم المسلم يهوديا عند الغضب ، ومسلم ( 4378 ) :
الفضائل - من فضائل موسى عليه السلام ] عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه .
( 2 ) رواه البخاري : أحاديث الأنبياء ( 3162 ) ، ومسلم : الفضائل ( 4376 ) .
( 3 ) راجع السابق ، وبهذا اللفظ رواه البخاري ( 2235 ) : الخصومات - ما يكون في الإشخاص والخصومة ، عن أبي سعيد الخدرىّ رضى اللّه عنه .