فإذا كانت حال النبي كذلك والقصص جاء على ذلك النحو من الأحكام والإرشاد والتعليم وبيان سنن الاجتماع والحكم الأمثل والقيادة الرشيدة مع صدقه في ذاته ، فهو دليل على أنه من عند الله .
والإشارة في قوله تعالى :
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ
إلى الآيات المتلوة من قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ . . .
( 246 ) [ البقرة ] إلى آخر القصة وكانت الإشارة للبعيد ، لما في ذلك من معنى الاستقصاء للآيات من أولها إلى آخرها ولعلو شأنها ، وكمال معانيها والوفاء في مقاصدها . وإضافة الآيات إلى الله لأنها جزء من القرآن وكله من عند الله ، فالإضافة لتقرير هذا المعنى وتوكيده ، وتنبيه الأذهان دائما إليه ليعطوه حقه من الفهم والتدبير والاسترشاد به ، والاعتبار بما اشتمل عليه من مواعظ وقصص وعبر .
وقوله تعالى :
نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ
يفيد أمرين :
أولهما : أن القرآن كان يتلى على النبي صلى اللّه عليه وسلم ويتلقاه بالروح الأمين . وإسناد التلاوة إلى الله العلى القدير مع أن الذي كان يلقى القرآن على النبي صلى اللّه عليه وسلم هو جبريل - للإشارة إلى أن تلاوة جبريل هي تلاوة الله فهو رسوله الأمين إلى رسله المكرمين .
الأمر الثاني : أن ما في القرآن حق دائما ، أي أمر ثابت لا يقبل التغيير فليس لأحد أن يقول إن القرآن صالح لزمان دون زمان ؛ لأنه الحق الثابت المستقر الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فعلى العقول أن تتفهمه وتتدبره ثم تخضع لأحكامه المستقرة الثابتة من غير محاولة للتغيير أو التبديل .
والتلاوة هي القراءة المتتابعة المفسرة الواضحة التي تتصل فيها المعاني وتتسابق فيها الألفاظ بحيث يكون الأداء ممثلا للمعنى مصورا له . وقد قال الراغب في مفرداته إن مادة « تلا » أصلها بمعنى تبع متابعة ليس بينها ما ليس منها ، وذلك يكون تارة بالجسم ، وتارة بالاقتداء في الحكم ومصدره تلوّ وتلوّ ، وتارة بالقراءة وتدبر المعنى ، ومصدره تلاوة . . . ثم قال :