تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 920

مساهمون:

ص٩٢٠
فهذه الآيات الكريمات تدل على أن الله سبحانه وتعالى قد اختص موسى عليه السلام بكلامه ، وهو إحدى طرق اتصال رب العالمين بالمبعوث من خلقه ، فقد قال تعالى :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ
( 51 ) [ الشورى ] وكلام الله سبحانه وتعالى مع موسى كان من النوع الثاني ، وهو الكلام من وراء حجاب . وكان خطاب الله سبحانه وتعالى بتكليمه من وراء حجاب مناسبا لأقوام موسى ؛ لأنهم قد غلبت عليهم المادية ، وغلب عليهم الجحود وإنكار الألوهية لرب السماوات والأرض ، حتى لقد قالوا :
أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً . . .
( 153 ) [ النساء ] ؛ فكان المناسب لمثل هؤلاء الأقوام أن يكون كلام الله للمبعوث إليهم مباشرة ولا يكون وحيا يوحى ، ولا برسول من الملائكة يرسله إليه ، فما كان ذلك تشريفا فقط لموسى ، بل كان مع ذلك التشريف مقصد يتفق مع حكمة الله سبحانه وتعالى ، وهو العلى الحكيم . وليس معنى ذلك الاختصاص أن الله سبحانه وتعالى قد رفع الله به موسى عليه السلام على كل الرسل ، بل إن الله سبحانه رفع بعض الأنبياء درجات ، وإن لم يكن لهم ذلك الاختصاص ؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يرفع ويخفض ، وهو الذي يختص برحمته واصطفائه من يشاء ؛ ولذلك قال سبحانه وتعالى بعد ذكر تكليم الله لبعض رسله
وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ
فقرن هذه بكلام موسى لتدل على أن التكليم وإن كان شرفا عظيما لا يقتضى أن يكون الملك فوق الأنبياء منزلة ، بل إن بعض من لم يكلمه الله رفعه الله درجات . والدرجات جمع درجة ، وهي المنزلة الرفعية السامية ، وفي التعبير بالجمع إشارة إلى علو المنزلة ، وكبر التفاوت بينه وبين غيره ممن لم يؤت ما آتاه الله ، وما نيط به من تكليف هو عين التشريف . وإن الله سبحانه قد ذكر أنه رفع مقام بعض النبيين ؛ فقد ذكر عن إدريس عليه السلام أنه رفعه مكانا عليا ، فقال سبحانه :
وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا
( 57 ) [ مريم ]