والنهى عن التفضيل منعا للمماراة لا ينفى حقيقة التفضيل المقررة ، كما أن النهى عن سب الأوثان لا يثبت أنها واجبة الاحترام ، إذ النهى لسد الذريعة ، فلا يمنع ثبوت الحقيقة .
وإن هذه الآية الكريمة سيقت لبيان فضل بعض النبيين على بعض لكيلا يندفع بعض الناس إلى الجحود ، فيقولوا : إننا نتبع النبي موسى أو عيسى دون محمد ، وما داموا جميعا أنبياء فأيهم نتبع يكون في اتباعه النجاة ؛ فبين سبحانه أنه فضل بعض الرسل على بعض في الشريعة والزمان ، فجعل محمدا شريعته عامة ناسخة لما عداها ، ورسالته للناس كافة ، وهو خاتم النبيين ، وذلك من فضل الله ؛ كما أن من فضله أنه كلم موسى تكليما ، ومن فضله أن جعل عيسى يحيى الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ، ويخبر الناس بما في بيوتهم ، فليس لأحد أن يرفض شريعة محمد لأنه اختار شريعة عيسى ، إذ إن من فضل الله الذي اختص به محمدا صلى اللّه عليه وسلم أن جعل شريعته ناسخة لغيرها ؛ لأنها آخر الشرائع ، ولأن محمدا خاتم النبيين ، ورسالته عامة شاملة للناس كافة ، وكانت رحمة للعالمين .
مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ
في هذه الجملة السامية من الآية الكريمة بيان لبعض وجوه التفضيل التي اختص الله سبحانه وتعالى بها بعض النبيين ، وهي في الحقيقة وجوه للتفضيل لا تتصل بأشخاصهم ، بل تتصل برسالاتهم ، وما تؤيده هذه المعجزات من شرائع ، ومن تخاطبهم من أقوام تكون تلك المعجزات مناسبة لهم .
وفي هذه الجمل ذكر الله نبيين من أولى العزم من الرسل ، وأشار إلى ثالث :
فأما الأول فهو موسى ؛ قد أشير إليه بما يشبه النص بقوله :
مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ
فإن ذلك هو موسى عليه السلام ، فقد قال سبحانه وتعالى في شأن موسى عليه السلام :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
( 164 ) [ النساء ] وقال سبحانه :
يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي . . .
( 144 ) [ الأعراف ] وقال تعالى :
وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا . . .
( 143 ) [ الأعراف ] .