تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 837

مساهمون:

ص٨٣٧
وقد يقول قائل : أفما كان الأولى أن تذكر آيات الصلاة بعد بيان أحكام الأسرة كلها ؟ ونقول في الجواب عن ذلك : إن الحق الذي لا ريب فيه هو فيما سلكه كتاب اللّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وإن كتاب الله ليس مؤلفا ينهج مناهج التأليف من حيث التبويب والتقسيم ، بل إن كتاب الله تعالى كتاب عظة واعتبار ، وبيان شرع ، وإرشاد ، ولترتيب منهاجه وحده ، ولا يضارعه كتاب فيه ، فهو يتتبع في ترتيبه تداعى المعاني في النفس ، وتواردها على الفكر ، ويأتي بالحكم حيث تتطلع النفوس إليه ، فيملؤها ببيانه الرائع ، وحكمه الخالد . ولا شك أن العقل البشرى يتطلع ويستفهم كيف يمكن تذكر الفضل في وقت تلك الفرقة التي في أغلب أحوالها تكون نتيجة للبغض الشديد ، وكيف يكون التسامح والعفو في موطن تحكم البغض ؛ فأجاب الله سبحانه داعية العقل ، وتطلع الفكر ، بأن الصلاة على وجهها حيث يخاطب العبد ربه ، وينصرف إليه خاشعا ضارعا محسا بعظمته وتجليه ، ومتجها إليه سبحانه في علو سلطانه ؛ إن ذلك كله هو الذي يعلو بالنفس عن شهواتها ، ويصعد بها في سموها ؛ تعالت كلمات الله العلى القدير ، وتسامت حكمة العليم الخبير .
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى
الصلوات جمع صلاة ، والصلاة لها معنى إسلامي ، وهي تلك الهيئة المعروفة ، ومعنى آخر وهو الدعاء والتسبيح ؛ والمراد هنا المعنى الإسلامي ، وهذا أمر صريح بالمحافظة على الصلاة ؛ وحفظ الصلاة معناه : المداومة عليها ، والاستمرار على أدائها ، وعدم التهاون في ركن من أركانها فالمحافظة على الصلاة تقتضى لا محالة أمرين : أولهما : أداؤها باستمرار في أوقاتها من غير تخلف ولا تفريط ، وهذا هو الحد الأدنى من المحافظة . وثانيهما : هو الإتيان بها كاملة الأركان مستوفية للشروط ، تشترك فيها النفس مع حركات الجسم ، ويشترك فيها القلب مع حركات الجوارح وما ينطق به اللسان ؛ فإن قال في صلاته : ( الله أكبر ) أحس بجلال الألوهية ، وعظم الربوبية ، وأخلص
زهرة التفاسير — صفحة 837 | محمد أبو زهرة