تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 838

مساهمون:

ص٨٣٨
قلبه للعبودية ؛ وإذا قال : ( الحمد لله رب العالمين ) استشعر معاني الشكر والثناء على ذات الله العلية بما هو في طاقة العبد الأرضية ؛ وهكذا في كل ما ينطق به ، وفي كل ما يعمل من ركوع وسجود ، حتى إنه لا ينته من صلاته إلا وقد صار كله لله ، وامتلأت نفسه بهيبته ، وقلبه بعظمته ، وعقله بنوره ؛ وبذلك يتحقق المعنى السامي في الصلاة ، وهو نهيها عن الفحشاء والمنكرات ، والتسامى بصاحبها عن متنازع الأهواء . وهنا بعض الإشارات اللفظية التي لا بد من التصدي لها بإجمال ؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى عبر عن إقامة الصلاة المطلوبة بالمحافظة عليها فلم عدل عن التعبير بإقامة الصلاة إلى التعبير بالمحافظة ؟ ولما ذا قال سبحانه وتعالى :
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ
ولم يقل : احفظوا الصلوات ؟ والجواب عن السؤال الأول : أن المحافظة أو الحفظ تتضمن مع الأداء والإقامة معنى الصيانة والحياطة ، فهي فوق ما تدل عليه من طلب الإقامة على وجهها ، تدل على أن الصلاة في ذاتها شيء نفيس عزيز تجب حياطته وصيانته ، وأن من نال فضل الصلاة فقد نال أمرا عظيما وخطيرا ، وقيّما في ذات نفسه . وأما الجواب عن السؤال الثاني : وهو التعبير بالمحافظة بدل الحفظ - فهو : أن التعبير بالمحافظة يدل على المداومة ، والاستمرار ؛ ولأن الأصل فيه أنه يكون للأفعال التي تكون من جانبين مشتركين ، لأنه من مادة المفاعلة التي تدل على المشاركة ، وقد تتضمن المنازعة أو المقابلة ؛ والمداومة على الصلاة فيها هذا المعنى الجليل ، وقد وضحه الراغب الأصفهاني بقوله في المفردات : ( إنهم يحفظون الصلاة بمراعاتها في أوقاتها ومراعاة أركانها والقيام بها في غاية ما يكون من الطوق ، وإن الصلاة تحفظهم الحفظ الذي نبه الله سبحانه وتعالى عليه في قوله :
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ . . .
( 45 ) [ العنكبوت ] فالمشاركة في الحفظ بين الصلاة وبين من يؤديها : يحفظها هو بأدائها على الوجه الأكمل وتحفظه هي نفسه بإبعاده عن السوء ) .
زهرة التفاسير — صفحة 838 | محمد أبو زهرة