والاتجاه الثاني : وليس عليه الجمهور من التابعين - أن المراد بالصلاة الوسطى الصلاة كلها ، والوسطى ليس معناها المتوسطة ، بل الوسطى معناها الفضلى ؛ وذلك لأن الوسطى مؤنث أوسط ، والأوسط في أكثر استعمال القرآن الأمثل والأفضل ؛ ولذا قال سبحانه :
قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ
( 28 ) [ القلم ] .
والمعنى على ذلك الاتجاه : حافظوا على الصلوات كلها بالمداومة عليها ، وحافظوا على أن يكون أداؤكم لها من النوع الأمثل الفاضل بإقامة الأركان خاشعين متبتلين خاضعين منصرفين في أدائها عن كل شؤون الدنيا متجهين إلى رب العالمين دون سواه .
وهنا يرد سؤال : لما ذا جمع الصلوات في الأول ، وأفرد الصلاة في الثاني ؟
والجواب عن ذلك أن المراد من الصلوات في الأول الفرائض الخمس بأعيانها ، والمعنى في الصلاة في الثاني هو الفعل ، فكان المؤدى : داوموا على الصلوات وأن تكون صلاتكم كلها من النوع الأمثل الفاضل .
وقد روى هذا الاتجاه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه ، وقد اختار ذلك الاتجاه الحافظ أبو عمر بن عبد البر إمام الأندلس في الحفظ والآثار ، وإنا نميل إلى ذلك ، وخصوصا أن الروايات في كونها صلاة معينة من الخمس متضاربة ، فقيل العصر ، وقيل الظهر ، وقيل الصبح ، وقيل الجمعة ، وقيل الظهر والعصر ، وقيل الصبح والعصر ؛ وإزاء ذلك نميل إلى ما اختاره ابن عبد البر ، وهو الثقة الثبت في الحفظ ونقد المتن والرجال .
وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ
القنوت في معناه المداومة على الفعل ، وقد خصه القرآن الكريم بمعنى الدوام على الطاعة والملازمة لها وأدائها على وجهها ؛ ومن ذلك قوله تعالى في وصف نبيه إبراهيم عليه السلام :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً . . .
( 120 ) [ النحل ] وقال سبحانه مخاطبا نساء النبي صلى اللّه عليه وسلم :
وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ . . .
( 31 ) [ الأحزاب ] وقال في وصف المؤمنين والمؤمنات :
وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ . . .
( 35 ) [ الأحزاب ] .