بين سبحانه آثار الفراق بين الزوجين بالطلاق أو الموت ؛ فقد بين العدة ، وهي في معناها حق الزواج وحق الزوج وحق الولد ؛ وقد ذكر بعد ذلك حق المرأة الخالص ، وهو المهر أو المتعة ؛ وقد أمر الله سبحانه وتعالى بإيتاء المهر في قوله تعالى :
وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً . . .
( 4 ) [ النساء ] ووجوبه كاملا في حال الطلاق بعد الدخول في قوله تعالى :
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً
( 20 ) [ النساء ] .
وفي هذه الآية يبين سبحانه المهر الواجب أو ما يقوم مقامه في الصورة التي قد يتوهّم الناس أنه لا مهر فيها ، لأنه لم يفض أحدهما إلى صاحبه ؛ إذ لم يحصل مساس بينهما ؛ فقال تعالى :
لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً
الجناح معناه الإثم ، ومعنى تمسوهن هنا أي لم تباشروهن ولم تدخلوا بهن ، وهو كناية جميلة من كنايات القرآن الكريم التي هذبت الألفاظ العربية ، وعلمت الناس الأدب في التعبير ، ليتهذب الذوق الخلقي ، والبياني ، والاجتماعي .
والمس في أصل معناه اللغوي : اللمس ، فهو يطلق على كل ما يكون فيه إدراك بحاسة اللمس ، ثم أطلق على سبيل الكناية على كل ما يكون فيه إصابة حسية أو معنوية ولها مظهر حسى ؛ ولذا كنى به القرآن الكريم عما يكون بين المرء وزوجه ، كما في هذه الآية الكريمة ، وكما في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ . . .
( 49 ) [ الأحزاب ] ، وقوله تعالى :
أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ . . .
( 47 ) [ آل عمران ] .
وكنى بالمس عما يصيب العقل أو الجسم من مرض أو أذى ؛ فقد قال تعالى :
الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ . . .
( 275 ) [ البقرة ] ، وقال تعالى :
مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ . . .
( 214 ) [ البقرة ] ، وقال تعالى :
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً . . .
( 12 ) [ يونس ] ، وقال تعالى :
وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً . . .
( 80 ) [ البقرة ] . . وهكذا .