تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 823

مساهمون:

ص٨٢٣
وقد أخرج الدارقطني أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم دخل على أم سلمة وهي متأيمة من أبى سلمة ، فقال : « لقد علمت أنى رسول الله وخيرته وموضعي في قومي » . وكانت تلك خطبة « 1 » .
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً
في هذه الجملة الكريمة يشير سبحانه وتعالى إلى طبائع النفس البشرية فيمنعها من الانسياق فيما يردى ويفسد ، ويبيح لها ما لا ضرر فيه ، وقد يكون فيه ما تطيب به نفوس ، وتطمئن إليه قلوب . فالله سبحانه وتعالى علم أن العارفين لأخبار المتوفى عنها زوجها وأحوالها وحقيقتها ، من جمال أو نحوه ، ومن حسن عشرة ولطف مودة ، أنهم سيذكرونها في نفوسهم ويقرنون الذكر بالرغب والاتجاه إلى طلبها ، وإعلان الرغبة والتحبب إليها وإمالة قلبها ؛ ولقد علم الله سبحانه وتعالى حال النفوس هذه فأباح للناس ما تكون مغبته حسنة ، ومنع غيره ؛ فأباح إكنان الرغبة في الأنفس وحديث النفس بها ، فإن حديث النفس ليس موضع مؤاخذة ؛ وأباح التعريض بالخطبة ، ونهى عن أمرين : أولهما : المواعدة السرية ، سواء أكانت تلك المواعدة على الزواج أو غيره . وقد تكلم العلماء في معنى كلمة « سرا » فقيل : إن معناها ما يكون بين الرجل وزوجه من متعة جسدية . وقيل : إن معناها عقد الزواج . وقيل إنّ سرا ، معناها زنا . وروى أن ابن عباس وابن جبير والشعبي ومجاهدا وعكرمة والسدى ، فسروا « سرا » بألا يأخذ عليها ميثاقا بألا تتزوج غيره في استسرار وخفية . وإن الذي نميل إليه أن « سرا » وصف لمحذوف أي لا تواعدوهن وعدا سريا بأي شكل من الأشكال ، وفي أي موضوع من الموضوعات ؛ لأن الإسرار يدفع إلى الخلوة فتكون الحال في مكان النهى حيث قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا يخلون أحدكم بامرأة فإن الشيطان ثالثهما » « 2 » والمعنى على هذا : لا تندفعوا وراء رغباتكم فتلتقوا بهن سرا
هامش
( 1 ) ذكره بهذا اللفظ وهذا التخريج القرطبي في تفسيره : سورة البقرة 235 وراجع الدارقطني في سننه 3 / 224 . . ( 2 ) جزء من حديث رواه أحمد : مسند العشرة ( 109 ) من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ، والترمذي بنحوه : الفتن - ما جاء في لزوم الجماعة ( 2091 ) عن ابن عمر رضي الله عنهما .